قادر على الطاعة وترك المخالفة سواء أكان هناك وعد أم لا ، فإن القدرة على الامتثال رهن التعرّف على التكليف عن طريق الأنبياء - مضافا إلى إعطاء الطاقات المادية . والمفروض حصول هذه المبادي والمقدمات ، غير أن كثيرا من الناس لا يقومون بواجبهم بمجرد الوقوف على التكليف ما لم يكن هناك وعد ووعيد وترغيب وترهيب ، فهذا النوع من اللطف قد وقع موقع النقاش بين المتكلمين .
والحق هو القول بوجوب اللطف إذا كان غرض التكليف ( لا غرض الخلقة ) ، موقوفا عليه عند الأكثرية الساحقة من المكلفين .
مثلا : لو فرضنا أن غالب المكلّفين ، لا يقومون بتكاليفهم بمجرد سماعها من الرسل - وإن كانوا قادرين عليها - إلّا إذا كانت مقرونة بالوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، وجب على المكلّف القيام بذلك صونا للتكليف عن اللّغوية . ولو أهملها المكلّف ترتب عليه بطلان غرضه من التكليف ، وبالتالي بطلان غرضه من الخلقة .
وفي الكتاب والسنة إشارات إلى هذا النوع من اللّطف . يقول سبحانه :
وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
« 1 » .
والمراد من الحسنات والسيئات ، نعماء الدنيا وضراؤها وكأن الهدف من ابتلائهم بهما هو رجوعهم إلى الحق والطاعة .
ويقول سبحانه :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
« 2 » . وفي الآية إشارة إلى كلا القسمين من اللطف ، ومفاد الآية أن اللّه تعالى أرسل رسله لإبلاغ تكاليفه تعالى إلى العباد وإرشادهم إلى طريق الكمال ( اللّطف المحصّل ) ، غير أن الرّفاه والرّخاء والتوغل في النعم المادية ، ربما يسبب الطغيان وغفلة الإنسان عن هدف الخلقة
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : الآية 168 .
( 2 ) سورة الأعراف : الآية 94 .