البرهنة ، إذ لم تزل الأمّة الإسلامية ، في أعصارها الغابرة والحاضرة ، أمام موضوعات مستجدة وطارئة ، فيجب عليها عند ذلك أن تختار سلوك أحد السبل التالية :
- إمّا بذل الوسع في استنباط أحكامها من الكتاب والسّنّة والعقل .
- أو اتّباع القوانين الوضعية البشرية من غير نظر إلى مقاصد الشريعة .
- أو الوقوف والسكوت من غير إفتاء .
ولا شك أن المتعين هو الأول .
وقد كان الاجتهاد مفتوحا بصورته البسيطة بين الصحابة فالتابعين ، كما أنّه لم يزل مفتوحا على مصراعية بين أصحاب الأئمة الاثني عشر ، وهم الذين قالوا لشيعتهم : « إنّما علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع » « 1 » .
وإنّ من مواهب اللّه تعالى ، العظيمة ، على الأمّة الإسلامية ، تشريع الاجتهاد ، وفسح المجال لعلماء الأمّة لأن يناقشوا أفكارهم ، فلم تقم للإسلام دعامة ، ولا حفظ كيانه ونظامه إلّا على ضوء هذه البحوث والمناقشات العلمية وردّ صاحب فكر على ذي فكر آخر ، وقد حكى شيخنا العلامة المتضلع ، شيخ الشريعة الأصفهاني - رحمه اللّه - عن بعض الأعلام ، قوله : « إنّ عدم محاباة العلماء ، بعضهم لبعض ، من أعظم مزايا هذه الأمّة ، التي أعظم اللّه بها عليهم النعمة ، حيث حفظهم عن وصمة محاباة أهل الكتابين ، المؤدية إلى تحريف ما فيهما ، واندراس تينك الملتين ، فلم يتركوا لقائل قولا فيه أدنى دخل إلّا بيّنوه ، ولفاعل فيه اعوجاج إلّا قوّموه ، حيث اتّضحت الآراء وانعدمت الأهواء ، ودامت الشريعة البيضاء ، على ملئ الآفاق بأضوائها ، مأمونة عن التحريف ، ومصونة عن التصحيف » « 2 » .
وقد جنت بعض الحكومات الإسلامية ، حيث أقفلت باب الاجتهاد ، في
هامش
( 1 ) الوسائل ، ج 18 ، كتاب القضاء ، الباب السادس من أبواب صفات القاضي ، الحديث 52 .
( 2 ) إبانة المختار ، ص 1 .