ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وبت كما بات السليم مسهّدا
إلى أن قال :
نبيا يرى ما لا ترون ، وذكره * أغار لعمري في البلاد وأنجدا
فإياك والميتات لا تقربنها * ولا تأخذن سهما حديدا لتفصدا
وذا النّصب المنصوب لا تنسكنّه * ولا تعبد الأوثان ، واللّه فاعبدا
ولا تقربن حرّة كان سرّها * عليك حراما ، فانكحن أو تأبّدا
وذا الرحم القربى فلا تقطعنّه * لعاقبة ولا الأسير المقيّدا
وسبّح على حين العشيات والضحى * ولا تحمد الشيطان واللّه فاحمدا
فلما ورد الأعشى مكة ، اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره ، فأخبره أنّه جاء يريد رسول اللّه ليسلم فقال له : يا أبا بصير ، إنّه يحرّم الزنا .
فقال الأعشى : واللّه إن ذلك لأمر ما لي فيه أرب .
فقال له : يا أبا بصير ، فإنّه يحرّم الخمر .
فقال الأعشى : أمّا هذه فو اللّه إنّ في النفس منها لعلالات ، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا ثم آتيه فأسلم ، فانصرف . فمات في عامه ذلك ، ولم يعد إلى رسول اللّه « 1 » .
2 - عزو القرآن إلى السّحر
أدرك فصحاء قريش وبلغاؤهم أنّ القرآن لا يشبه كلام الإنس ، وهو فوق كلامهم ، ولما كان مقتضى العجز ، اعتناق الدين الذي كان النبي يدعو إليه ، خدعوا عقولهم وعقول قومهم بتفسيره بالسحر ، بحجة أنّ السحر يفرّق ، والقرآن
هامش
( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام : ص 386 . وأضاف الشهرستاني في كتابه « المعجزة الخالدة » ، ص 21 : واجتمعت عليه قريش لما سمعت بخبره وبمدحه النبي الأمي في قصيدة دالية ، جاء بها ليجعلها تقدمة إيمانه وإذعانه ، وقالوا للأعشى : « إن أنشدته هذه القصيدة لم يقبلها منك » . ولم يزالوا يخدعونه ويمنعونه حتى سافر إلى اليمامة ، وقال : « أقضي أياما هناك ثم أعود إليه » .