الدعوى ، ويتساءل - هو - عن برهانها ، ثم يثبتها بنفسه ، ويتحدّى الناس على الإتيان بمثله ، ويعجزهم ويدينهم . وهذه خصيصة لهذه المعجزة لا توجد في سائر المعاجز .
3 - التحدّي بأبسط الأشياء وأوفرها
قد تعرفت في مباحث الإعجاز - من النبوة العامة - على الفروق الواضحة بين المعجزة وغيرها ، وقلنا إنّه ربما يصل العلم والصنعة إلى الغاية التي وصلت إليها معاجز الأنبياء ، ومع ذلك كلّه لا تتجاوز الصنعة عن كونها صنعة بشرية ولا تدخل في إطار الإعجاز .
مثلا : إنّ سليمان بن داود ، أول من فتح أبواب الفضاء على عيون المجتمع الإنساني ، فهو كان رائد الفضاء الأول بفضل الريح المسخرة له ، يقول سبحانه :
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ
« 1 » .
ولم تتوفق الحضارة البشرية إلى إرسال الإنسان إلى الفضاء إلّا بعد آلاف السنين ، حتى تمكنت أخيرا من إنزاله على سطح القمر ، والركب بعد مستمر ، ومع ذلك كلّه فما أنجزته هذه الحضارة لا يخرج عن إطار الصنعة ، لوجود الميز الجوهري بين العملين ، وإن اتحدا في النتيجة . وذلك أنّ سليمان بدأ عمله بأبسط الأشياء ، وأكثرها شياعا ، وهو الجلوس على بساط ، يحركه الريح ، تجري بأمره حيث شاء ، كما قال تعالى :
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ
« 2 » .
وأمّا ما قامت به الحضارة الصناعية من إرسال الرّواد إلى الفضاء ، فهو صنعة بحتة ، لأنّها قامت بهذا الفعل بأعقد الصناعات وأخفاها . فالسفينة الفضائية الحاملة لعدّة من الرواد ، والتي هبطت على سطح القمر ، اشترك في
هامش
( 1 ) سورة ص : الآية 36 .
( 2 ) سورة سبأ : الآية 12 .