تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
وعلى ما ذكرنا يمتنع أن تكون تلك المعارف العليا ، والشرائع والقوانين الاجتماعية التي جاء بها الأنبياء ، نتاج الشخصية الباطنة ، والضمير المخفي وكيف يكون ذلك ، والمصدر الوحيد للمعارف الموجودة في الضمير المخفي هو الشخصية الظاهرية وما تأخذه الحواس من خارج الذهن والمحيط والبيئة . والمحيط الذي عاش فيه الأنبياء ، وترعرعوا في أحضانه ، في واد آخر من هذه المعارف والشرائع ، لم يسمع ولم يخبر بها . فلا يبقى بالنتيجة إلّا أن يكون لها مصدر ومنبع آخر ، غير ما يدعون . إنّ هذه المعلومات التي يعطيها هؤلاء المحلّلون لمسألة الوحي ، قليلة المواد ، ضيقة النطاق عن أن تكون مصدرا لوحي مثل القرآن الكريم . فإنّ ما جاء في هذا الكتاب من الأحكام والمعارف العليا لا يمكن أن تكون مستمدة من الوحي بهذا المعنى . وأنّى يكون ليتيم فقير ، نشأ بين الأميين ، ليس عنده كتاب يرشده ، ولا أستاذ ينبّهه ، ولا عضد إذا عزم يؤيده ، أن يأتي ولو بمعشار ما في هذا الكتاب من السنن والنظم والمعارف والعقائد . فلا يبقى إلّا القول بأنّه فائض من نور اللّه الأعظم على رسوله وخاتم أنبيائه محمد صلى اللّه عليه وآله ، كما يقول البوصيري :
اللّه أكبر إنّ دين محمد * وكتابه أقوى وأقوم قيلا لا تذكروا الكتب السوالف عنده * طلع الصباح فاطفأ القنديلا « 1 »
هامش
( 1 ) في الختام نعاتب الأستاذ فريد وجدي بما أنّه رجل موحّد مؤمن بعوالم الغيب ورسالة السماء إلى الأرض ، التي تلقّاها الأنبياء عن طريق الوحي ، نعاتبه كيف نقل هذه النظرية الساقطة حول الوحي بإسهاب ، وأوضحها ، ولم يعلّق عليها شيئا ، وكأنّه بها راض ، ولها متبنّ ! ! . وهذا الذي وقع منه ، ربما يؤيد ما ذكره مصطفى صبري ، شيخ الإسلام في الدولة العثمانية ، من أنّ الأستاذ المذكور كان منكرا لمعجزات الأنبياء ، ومضيفا إليه عند النقاش إنكار البعث بعد الموت ، وقد نقل عنه هذه العبارات : « ولد العلم الحديث ، وما زال يجاهد القوى التي كانت تساوره ، فتغلب عليها ، ودالت الدولة إليه في الأرض ، فنظر نظرة في الأديان وسرى عليها أسلوبه ، فقذف بها جملة في عالم الميتولوجيا ( أي الأساطير ) . ثم بحث في اشتقاق بعضها عن بعض ، واتّصال أساطيرها بعضها ببعض ، فجعل
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 145 | الشيخ جعفر السبحاني