فلو صحّ لنا تشبيه المعقول بالمحسوس وإفراغ المعاني العالية في قوالب حسية ضيقة ، فلا عتب علينا إذا قلنا بأن الدين تجاه التيارات المؤلمة القاصمة للظهر ، الموجبة للانفجار ، كصمام الأمان في المسخّنات البخارية التي لم يزل بخارها يزداد حينا بعد حين ، فلو لا صمام الأمان الذي يوجب تسريح البخار الزائد ، لا نفجر المسخن في المعمل وأورث القتل الذريع والحرق الفظيع ، وقد اعتذرنا عن هذا المثال بأنه من باب تشبيه المعقول بالمحسوس .
4 - المعرفة المعتبرة
إنّ الخطوة الأولى لفهم الدّين هي الوقوف على المعرفة المعتبرة فيه .
فالدّين الواقعي لا يعتبر كل معرفة حقا قابلا للاستناد ، بل يشترط فيها الشروط التالية :
أ - المعرفة القطعية التي لا تنفكّ عن الجزم والإذعان ورفض المعرفة الظنّية والوهميّة والشكّية ، قال سبحانه :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا
« 1 » . ترى أنّ الآية ترفض كل معرفة خرجت عن إطار العلم القطعي ، ولأجل ذلك يذمّ في كثير من الآيات اقتفاء سنن الآباء والأجداد ، اقتفاء بلا دليل واضح ، وبلا علم بصحته وإتقانه ، يقول سبحانه :
بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
« 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الأسراء : الآية 36 .
( 2 ) سورة الزخرف : الآيتان 22 - 23 .