تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
حافزا على التحقيق وإحساسا بأنّ العالم غير منفك عن السنن والنظم ، وعليه أن يتفحّص عنها . وهذا بخلاف الباحث المعتنق للنظريّة الثانية ، لأنّ تحقق الصدفة أو التضاد السائد بين أجزاء المادة ، لا يورث العلم بحتمية حدوث سنن وأنظمة في داخل المادة حتى يبحث عنها الإنسان فلا يصح للباحث عن سنن العالم والمستطلع للحقائق السائدة فيه ، أن يتكئ على منصة الدراسة إلّا أن يكون معتقدا بالنظريّة الأولى دون النظرية الثانية . وهذا ما ادّعيناه في صدر البحث من أنّ العقيدة الدينية خلاقة للعلوم وباعثة للتحقيق . وقد خرجنا بهذه النتيجة وهي أنّ الدين بمعنى الاعتقاد بكون العالم مخلوقا لعلم وقدرة ، عامل كبير في تقدم العلوم البشرية ، وأنّه يثير روح التعمق والتدبر في الإنسان المحقق ، في حين إنّ اللادينية والاعتقاد بأصالة المادة وعدم اتصالها بمبدإ أقوى لا يثير شوق البحث والتحقيق . نعم ، هاهنا سؤال ربما يخالج ذهن القارئ وهو أنّ هناك عدة فرق من دعاة المادية ، من المكتشفين لأسرار الطبيعية ونظمها ، فلو كان الإلحاد يعرقل خطى التحقيق والتقدم ، فكيف وصل هؤلاء إلى ما وصلوا إليه من الكشف والتحقيق ؟ الجواب : إنّ هؤلاء وإن كانوا يحملون شعار الإلحاد ، لكنها شعارات على ألسنتهم ، وأما قلوبهم فتخفق بخلاف ذلك ، بمعنى أنّهم يعتقدون في صميم قلوبهم بخضوع العالم لقوة كبرى أجرت فيه السنن والنظم ، التي هم بصدد كشفها والتعرف عليها ، ولولا ذاك الإيمان والاعتقاد بخضوع العالم لتلك القوة ، لما حصل لهم الإيمان بأنّ المادة ذات سنن ونظم ، أرضها وسماءها ، قريبها وبعيدها ، حتّى النجوم والمجرات المتوغلة في أعماق