تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
السنن السائدة فيه ، من دون جنوح - فعلا - إلى صحة إحدى الفرضيتين . لا شك أنّ في تفسير العالم وتبيينه نظريتين متقابلتين لا تجتمعان أبدا ، وسنبين فيما بعد الصحيح منهما ، غير أنّ الذي نركز عليه هنا هو تحديد تأثير كل واحدة من النظريتين على تكامل العلوم ورقيها . النظريّة الأولى : تعتمد على أنّ العالم من الذرة إلى المجرة إبداع عقل كبير ، وموجود جميل ، غير متناه في القدرة والعلم ، فهو بعلمه وقدرته أبدع العالم وخلقه . النظريّة الثانية : إنّ مادة العالم أزلية ليس للعلم ولا القدرة ، الخارجين عنها ، أي صنع وتأثير فيه ، فلو وجدت فيه سنن ، فإنما هي وليدة التصادف أو ما يشبهه من الفروض العلمية التي تشترك جميعها في القول بإفاضة المادة الصمّاء العمياء على نفسها السنن والقوانين . نحن لا نريد التّركيز على إحدى الفرضيتين لأن الحقيقة ستتجلى في الأبحاث الآتية ، وإنما نركز على معرفة أية نظرية من النظريتين تحث الإنسان على التحقيق وتثير روح البحث في نفسه ؟ هل القول بأن عالم المادة صنع موجود غير متناه في العلم والقدرة ، قد أبدع المادة وأجرى فيها السنن والقوانين بفضل علمه وسعة قدرته ؟ أو القول بأنّ المادة لم تزل أزلية وليس فيها للعلم والقدرة صنع ، ولو صارت ذات سنن وقوانين فإنما هي وليدة الصّدفة أو وليدة التضاد الحاكم عليها - كما هو أحد الفروض للماديين الماركسيين - أو ما يقرب من ذلك . فأي النظريتين هو المؤثر في تقدم العلوم وتكاملها ؟ لا شك أنّ الباحث عن الكون لو تدرّع بالنظرية الأولى يجد في نفسه
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل — صفحة 14 | الشيخ جعفر السبحاني