التّفاوت بينه وبين العلم بأنّ الواحد نصف الاثنين ، لكنّ التالي باطل بالوجدان .
وأجاب عنه المحقق الطّوسي بقوله : « ويجوز التفاوت في العلوم لتفاوت التصور » « 1 » .
توضيحه : إنّه قد تتفاوت العلوم الضرورية بسبب التفاوت في تصور أطرافها . وقد قرر في صناعة المنطق أنّ للبديهيات مراتب : فالأوليّات أبده من المشاهدات بمراتب . والثانية أبده من التجربيات والثالثة أبده من الحدسيات ، والرابعة أبده من المتواترات ، والخامسة أبده من الفطريّات .
والضابط في ذلك أنّ ما لا يتوقف التصديق به على واسطة سوى تصور الطرفين فهو أبده من غيره ، وذلك مثل الأوليات « 2 » ، وهكذا .
فلو صحّ ما ذكره الأشاعرة من الملازمة ، لزم أن لا تكون الحدسيات من اليقينيات .
وباختصار ، إنّ العلوم اليقينية ، مع كثرتها ليست على نمط واحد ، بل لها مراتب ودرجات ، وهذا شيء يلمسه الإنسان إذا مارس علومه ويقينياته وعلى ذلك فلا مانع من أن يقع الاختلاف في بعض العلوم الضرورية لدوافع خاصة ، وهي في المقام تصوّر أنّ الحكم بالحسن والقبح تحديد لسلطته
هامش
( 1 ) كشف المراد ، ص 186 .
( 2 ) وجه الضبط أنّ القضايا البديهية إمّا أن يكون تصور طرفيها مع النسبة كافيا في الحكم والجزم ، أو لا يكون .
والأول هو الأوليات ، والثاني إمّا أن يتوقف على واسطة غير الحس الظاهر والباطن أو لا .
والثاني المشاهدات ، وتنقسم إلى مشاهدات بالحس الظاهر ومشاهدات بالحسّ الباطن .
والأول إمّا أن تكون تلك الواسطة بحيث لا تغيب عن الذهن عند تصور الأطراف أو لا تكون كذلك ، فالأول هي الفطريات ، وتسمى بالقضايا التي قياساتها معها . والثاني إمّا أن يستعمل فيه الحدس ، وهو انتقال الذهن الدفعي من المبادي إلى المطالب أو لا يستعمل فيه ، فالأول هو الحدسيات ، والثاني إن كان الحكم فيه حاصلا بإخبار جماعة يمتنع عند العقل تواطؤهم على الكذب فهو المتواترات ، وإن لم يكن كذلك بل حاصلا من كثرة التجارب فهي التجريبيات وقد علم بذلك حدّ كل واحد منها .