الكلام إلا اللفظ والمعنى ولا ثالث لهما وإذن فلا بد أن تكون الفصاحة راجعة إليهما بحيث يكون اللفظ جزلا والمعنى حسنا » « 1 » .
وهو بذلك يرد على الجاحظ رأيه في النظم .
والرماني كان على نفس الدرب حين رأى أن إعجاز القرآن لبلاغته التي فسرها بأنها ليست مجرد أفهام المعنى لأنه « قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عيىّ ، وليست البلاغة تحقيق اللفظ على المعنى لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى وهو غث مستكره ونافر متكلف ، إنما البلاغة : إيصال المعنى إلى القلب في حسن صورة من اللفظ » « 2 » .
وقد لاحظ القاضي عبد الجبار - تلميذ الجبائي - أن في فكرة شيخه نقصا لأنه لم يلاحظ صورة تركيب الكلام ، وهي أساسية في بلاغة العبارة وفصاحتها « 3 » .
إذن قد تجنبت المدرسة الاعتزالية فكرة النظم - متمثلة في الجبائي والرماني وعبد الجبار - سببا لإعجاز القرآن وجنحت إلى فكرة الفصاحة . بينما تعود الأشعرية إلى فكرة النظم ، التي هي تغاير ما ذهب إليه الجاحظ ، وتنحل في جوهرها إلى فكرة الفصاحة التي قالت بها المدرسة البهشمية الاعتزالية . فهذا الباقلاني يرى أن القرآن « بديع النظم عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه » « 4 » .
وهو هنا يرى رأى الرماني الذي أراد أن يصور إعجاز القرآن عن طريق تصوير ما فيه من وجوه البلاغة التي أحصاها في رسالته .
وفي الدلائل لعبد القاهر نراه ، يبدئ ويعيد في إبطال أن يكون مردّ الفصاحة إلى اللفظ أو المعنى - كما زعم الجبائي المعتزلي - وأن لم يصرّح باسمه - إنما مردّها إلى النظم أو بعبارة أخرى ، إلى الأسلوب وخصائصه وكيفياته . وقد عقد
هامش
( 1 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن - 197 .
( 2 ) الرماني - النكت في إعجاز القرآن - 69 .
( 3 ) القاضي عبد الجبار - إعجاز القرآن - 199 .
( 4 ) الباقلاني - إعجاز القرآن - 30 .