يقول في المقدمة « ومن خصائص هذا الكتاب تأسيس قوانين فصل الخطاب والكلام الفصيح ، بإفراد المجاز عن الحقيقة والكناية عن التصريح » « 1 » . وإذا كان الأشاعرة قد أخذوا على المعتزلة شطحاتهم في إكراه اللغة على استيعاب مبادئهم ، فإن بعض الأشاعرة قد تأثر في تفسيره للقرآن ، أفكارا شاعت في البيئة الاعتزالية ، يسجل ذلك ابن تيمية في كتابه قائلا ( وقد رأيت من العلماء المفسرين وغيرهم من يذكر في كتابه وكلامه من تفسيرهم ما يوافق أصولهم ، التي يعلم أو يعتقد فسادها ، ولا يهتدى لذلك » « 2 » .
[ ثانيا ] الجانب البلاغي في الإعجاز بين المعتزلة والأشاعرة :
مر بنا أوجه الخلاف ، الناتجة عن المبادئ الخاصة بين المعتزلة والأشاعرة في الجانب الكلامي . وهم أيضا في الجانب البلاغي قد اختلفت وجهات نظرهم .
وسنقسم الحديث هنا إلى قسمين :
أولا : الإعجاز البلاغي بينهما .
ثانيا : الفواصل والسجع ورأيهما فيها .
1 - الإعجاز البلاغي بينهما :
لاحظنا أن الجاحظ يرجع إعجاز القرآن لنظمه ، وألف في ذلك كتابا سقط من يد الزمن وكرر في مواضع من كتاباته هذا الرأي من مثل قوله « في كتابنا المنزّل الذي يدلنا على أنه صدق نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد » « 3 » وقد اعتنى باللفظ عناية خاصة ولكنه لم يسقط المعاني جملة ، وكان يرى رأى العتابي من أنها تحل من الألفاظ محل الروح من البدن » « 4 » .
وأما أبو هاشم الجبائي ، فقد رأى أن النظم لا يصلح أن يكون مفسرا لفصاحة الكلام ، لأن النظم قد يكون واحدا ، ويفضل أديب صاحبه فيه ، وأنه لا يوجد في
هامش
( 1 ) الزمخشري - أساس البلاغة - ج 1 / ص 6 .
( 2 ) ابن تيمية - مقدمة في أصول التفسير - 22 . الطبعة الأولى 39 .
( 3 ) الجاحظ - الحيوان - 4 / 90 .
( 4 ) الجاحظ - مجموع رسائل الجاحظ - رسالة الجد والهزل - 1 / 262 .