نلتمس إعجاز القرآن في قوالبه اللغوية ، ويعنى بهذا ، الإعجاز الكامن في موسيقا ألفاظ القرآن ، ثم في نزوله بأفصح اللغات « 1 » .
أما الجاحظ فقد احتفل بفكرة النظم احتفالا كبيرا جاعلا منها دليلا على إعجاز القرآن « 2 » ونراه دائما مشغوفا بجودة اللفظ وحسنه وبهائه ، ويروح في « بيانه » يتحدث عن جزالة الألفاظ وفخامتها ورقتها وعذوبتها وخفتها وسهولتها ، وينشد ذلك في كل جانب من جواب كتابه هذا ، بل أنه قد عرض للحروف التي هي جوهر الألفاظ ملاحظا أن فيها ما لا يقترن بعضه إلى بعض في الكلام « 3 » وتعرّض لتلاقى الكلمة مع الكلمة ملاحظا أن من الألفاظ ما يتنافر بعضه مع بعض ، ويطيل الوقوف إزاء بعض أشعار يشتد فيها التنافر بين ألفاظها لينكشف للقارئ ما فيها من ثقل ومئونة على اللسان « 4 » ثم ينقل دائرة الكلام إلى القرآن فيشير فيه إلى مواقع الألفاظ وكيف أن الكلمة المرادفة لأخرى لا يصح أن تستخدم مكانها وأن الكلمات كأفراد الأسرة ، وفي الأقل ، منها ما تقوم بينها واشجة الرحم « 5 » . ويضرب لنا مثلا للفظ الموجز الدال على معان عديدة تتوارد على الذهن عقيب التفكير فيها ، مثل قوله تعالى
« وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ، أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها »
[ النازعات - 30 ] ويقول : وقالت الحكماء : إنما تبنى المدائن على الكلأ والمحتطب ، فجمع بقوله « أخرج منها ماءها ومرعاها » النّجم والشّجر واليقطين « 6 » والبقل والعشب ، فذكر ما يقوم على ساق وما يتفنن « 7 » وما يتسطح وكل ذلك مرعى ، ثم قال على النسق
« مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ » *
[ النازعات - 33 ] فجمع بين الشجر والماء والكلا والماعون كله ، لأن الملح لا يكون إلا بالماء ولا تكون النار إلا من الشجر . . . « 8 » .
هامش
( 1 ) الدكتور أحمد مكي - أبو زكريا الفراء - 89 و 301 و 302 .
( 2 ) الجاحظ - الحيوان - 4 / 90 .
( 3 ) الجاحظ - البيان والتبيين - 1 / 69 .
( 4 ) نفس المصدر - 1 / 65 .
( 5 ) نفس المصدر - 1 / 20 .
( 6 ) اليقطين : كل ما لا ساق له من النبات كالقرع وجوه .
( 7 ) الفتن : الغصن المستقيم من الشجرة .
( 8 ) الجاحظ - البيان والتبيين - 3 / 30 و 31 .