تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
والقديسات . وهكذا سائر الفرق في أودية الضلال والانحراف عن الحق والاشتغال بالمحال . ولا يليق بحكمة اللّه الملك المبين أن لا يرسل في هذا الوقت أحدا يكون رحمة للعالمين . وما ظهر أحد يصلح لهذا الشأن العظيم ويؤسس هذا البنيان القويم غير محمد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فأزال الرسوم الزائغة والمقالات الفاسدة ، وأشرقت شموس التوحيد وأقمار التنزيه ، وزالت ظلمة الشرك والثنوية والتثليث ، والتشبيه عليه من الصلاة أفضلها ، ومن التحيات أكملها ، وإليه أشار للّه تعالى بقوله :
( يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )
[ المائدة : 19 ] قال الفخر الرازي قدس سره في تفسيره هذه الآية : « الفائدة في بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم عند فترة من الرسل هي أن التغير والتحريف قد تطرق إلى الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها وطول زمانها . وبسبب ذلك اختلط الحق بالباطل والصدق بالكذب ، وصار ذلك عذرا ظاهرا في إعراض الخلق عن العبادات ، لأن لهم أن يقولوا يا إلهنا عرفنا أنه لا بدّ من عبادتك ، ولكنا ما عرفنا كيف نعبد فبعث اللّه تعالى في هذا الوقت محمدا عليه السلام إزالة لهذا العذر » . انتهى كلامه بلفظه . المسلك السادس : أخبار الأنبياء المتقدمين عليه عن نبوته عليه السلام . ولما كان القسيسون يغلطون العوام في هذا الباب تغليطا عظيما استحسنت أن أقدم على نقل تلك الأخبار أمورا ثمانية تفيد للناظر بصيرة : الأمر الأول : ان الأنبياء الإسرائيلية مثل أشعيا وأرميا ودانيال وحزقيال وعيسى عليهم السلام أخبروا عن الحوادث الآتية ، كحادثة بختنصر وقورش وإسكندر وخلفائه ، وحوادث أرض أدوم ومصر ونينوى وبابل ، ويبعد كل البعد أن لا يخبر أحد منهم عن خروج محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي كان وقت ظهوره كأصغر البقول ، ثم صار شجرة عظيمة تتأوى طيور السماء في أغصانها ، فكسر الجبابرة والأكاسرة ، وبلغ دينه شرقا وغربا ، وغلب الأديان وامتد دهرا بحيث مضى على ظهوره مدة ألف ومائتين وثمانين إلى هذا الحين ، ويمتد إن شاء اللّه إلى آخر بقاء الدنيا . وظهر في أمته ألوف ألوف من العلماء الربانيين والحكماء المتقنين والأولياء ذوي الكرامات والمجاهدات والسلاطين العظام . وهذه الحادثة كانت أعظم الحوادث ، وما كانت أقل من حادثة أرض أدوم ونينوى وغيرهما . فكيف يجوّز العقل السليم أنهم أخبروا عن الحوادث الضعيفة وتركوا الإخبار عن الحادثة العظيمة ؟ الأمر الثاني : ان النبيّ المتقدّم إذا أخبر عن النبيّ المتأخر لا يشترط في إخباره أن يخبر بالتفصيل التام بأنه يخرج من القبيلة الفلانية في السنة الفلانية في البلد الفلاني ، وتكون صفته
إظهار الحق — صفحة 407 | رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي