تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إظهار الحق — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
في العشاء الربّاني بشهادة الحسّ ، وتستهزئ بها . فهذا الردّ والهزء يرجعان إليهما أيضا . لأن الذي رأى المسيح ما رأى منه إلّا شخصا واحدا إنسانيا ، وتكذيب أصدق الحواسّ الذي هو البصر يفتح باب السفسطة في الضروريات . فيكون القول به باطلا كالقول بالاستحالة . والجهلاء من المسيحيين من أيّة فرقة من فرق أهل التثليث كانوا قد ضلّوا في هذه العقيدة ضلالا بيّنا ، ولا يميّزون بين الجوهر اللّاهوتي والناسوتي ، كما يميز بحسب الظاهر علماؤهم ، بل يعتقدون ألوهية المسيح عليه السلام باعتبار الجوهر الناسوتي ، ويخبطون خبطا عظيما . نقل أنه تنصّر ثلاثة أشخاص وعلّمهم بعض القسّيسين العقائد الضرورية سيما عقيدة التثليث أيضا ، وكانوا في خدمته فجاء محبّ من أحبّاء هذا القسّيس وسأله عمّن تنصّر ، فقال ثلاثة أشخاص تنصّروا ، فسأل هذا المحبّ هل تعلّموا شيئا من العقائد الضرورية ؟ فقال : نعم . وطلب واحدا منهم ليرى محبّه . فسأله عن عقيدة التثليث . فقال : إنك علّمتني أن الآلهة ثلاثة أحدهم الذي هو في السماء ، والثاني تولّد من بطن مريم العذراء ، والثالث الذي نزل في صورة الحمام على الإله الثاني بعد ما صار ابن ثلاثين سنة . فغضب القسّيس وطرده . وقال : هذا مجهول . ثم طلب الآخر منهم وسأله . فقال : إنك علّمتني أن الآلهة كانوا ثلاثة وصلب واحد منهم ، فالباقي إلهان . فغضب عليه القسّيس أيضا وطرده . ثم طلب الثالث وكان ذكيّا بالنسبة إلى الأوّلين وحريصا في حفظ العقائد ، فسأله فقال : يا مولاي حفظت ما علّمتني حفظا جيدا وفهمت فهما كاملا بفضل الربّ المسيح أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد ، وصلب واحد منهم ومات ، فمات الكلّ لأجل الاتّحاد ، ولا إله الآن وإلّا يلزم نفي الاتّحاد . وأقول : لا تقصير للمسئولين فإن هذه العقيدة يخبط فيها الجهلاء هكذا ، ويتحيّر علماؤهم ويعترفون بأنّا نعتقد ولا نفهم ويعجزون عن تصويرها وبيانها . ولذا قال الفخر الرازي في تفسيره سورة النساء : « واعلم أن مذهب النصارى مجهول جدا » . ثم قال : « لا نرى مذهبا في الدنيا أشدّ ركاكة وبعدا من العقل من مذهب النصارى » . وقال في تفسير سورة المائدة : « ولا نرى في الدنيا مقالة أشدّ فسادا وأظهر بطلانا من مقالة النصارى » . فإذا علمت بالبراهين العقلية القطعية أن التثليث الحقيقي ممتنع في ذات اللّه ، فلو وجد قول من الأقوال المسيحية دالّا بحسب الظاهر على التثليث يجب تأويله ، لأنه يخلو إما أن نعمل بكل واحد من دلالة البراهين ودلالة القول ، وإما أن نتركهما ، وإما أن نرجّح النقل على العقل ، وإما أن نرجّح العقل على النقل . والأول باطل قطعا ولا يلزم كون الشيء الواحد ممتنعا وغير ممتنع في نفس الأمر . والثاني أيضا محال وإلّا يلزم ارتفاع النقيضين . والثالث أيضا لا يجوز لأن العقل أصل النقل ، فإن ثبوت النقل موقوف على ثبوت وجود الصانع وعلمه وقدرته وكونه مرسلا للرّسل وثبوتها بالدلائل العقلية ، فالقدح في العقد قدح في العقل والنقل معا . فلم يبق إلّا أن نقطع