قد استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق
يريد أنه غلب أهله من غير محاربة . قال : وليس ذلك في الآية بمعنى الاستيلاء ، لأن الاستيلاء غلبة مع توقع ضعف ، قال ومما يؤيد ما قلناه قوله عز وجل
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ
« 1 » والاستواء إلى السماء هو القصد إلى خلق السماء ، فلما جاز أن يكون القصد إلى السماء استواء جاز أن تكون القدرة على العرش استواء .
أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ ومحمد بن موسى قالا : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن الجهم حدثنا يحيى بن زياد الفراء في قوله عز وجل :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ
« 2 » قال الاستواء في كلام العرب على جهتين ( إحداهما ) أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته ( أو يستوي ) من اعوجاج فهذان وجهان ( ووجه ثالث ) أن تقول كان مقبلا على فلان ثم استوى على يشاتمني وإلى سواء ، على معنى أقبل إليّ وعليّ ، فهذا معنى قوله استوى إلى السماء واللّه أعلم .
قال : وقد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما ثم استوى صعد وهذا كقولك للرجل كان قاعدا فاستوى قائما أو كان قائما فاستوى قاعدا ، وكل في كلام العرب جائز .
قلت : قوله استوى بمعنى أقبل صحيح لأن الإقبال هو القصد إلى خلق السماء والقصد هو الإرادة وذلك هو جائز في صفات اللّه تعالى ، ولفظ ثم تعلق بالخلق لا بالإرادة .
وأما ما حكي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما فإنما أخذه عن تفسير الكلبي ، والكلبي ضعيف ، والرواية عنه عندنا في أحد الموضعين كما ذكره الفراء ، وفي موضع آخر كما أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن محبور أنا الحسين بن محمد بن هارون أنا أحمد بن محمد بن نصر حدثنا يوسف بن بلال عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله
هامش
( 1 ) سورة فصلت آية 11 .
( 2 ) سورة البقرة آية 29 .