تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
ويزعمون أن الإلهيات إنما يتوصل إليها بتهذيب القريحة ، والرياضيات التي هي خواص الأعداد والهندسة والطبائع وعلم الألحان . ومن تهذب بها قبل الإلهيات من غير حجاج . ومن عجيب أمرهم ، أنهم يزرون على قواطع المتكلمين ، ويزعمون أنها مغالطات وأحسن رتبها الجدليات ، وليس منها الأقيسة البرهانية ؛ ثم يجتزون فيما هو المقصود بقبول الطبع له من غير حجاج ، مع أنه عندهم من أخفى الخفيات . فيقال لهم : هلا اكتفيتم بالموجود الأول في إيجاب كل ما عداه ؟ وما الذي دلكم على إيجاب الروحاني الأول ثم إيجاب الروحاني ما دونه ؟ وهل هذا إلا تحكم محض لا محصول له ؟ ولا يحتمل هذا المعتقد أكثر من ذلك . وأما ما سموه طبائع فيما دون فلك القمر ، فلا محصول له ، فإنهم عنوا بكل ما أشاروا إليه اجتماع العناصر على أقدار ؛ فإن عنوا باجتماعها يداخلها فذلك محال ، لأن المتحيز لا يقوم بحيث متحيز . ولو جاز قيام متحيز بحيث متحيز لجاز رجوع العالم إلى حيز خردلة ، من غير تقدير عدم شيء منها ، وهذا معلوم بطلانه على الضرورة ، ولو تداخلت العناصر اجتمعت في الحيز الواحد الحرارة التي هي صورة النار ، والرطوبة التي هي صورة الهواء ، والبرودة التي هي صورة الماء ، واليبوسة التي هي صورة الأرض ، وذلك معلوم بطلانه بضرورة العقل . فإن زعموا أن العناصر تتجاوز ، وكل عنصر مختص بحيزه منفرد بصورته ؛ فينبغي أن تبقى بسائط على صورها في مراكزها ، والعناصر متحيزة فإنها شواغل أحياز ذوات أشكال ، وهي أجزاء هيولانية على صور . فاكتفوا بذلك في هذا المعتقد .

فصل

لما رأينا هذا الفصل متعلقا بأحكام الإرادة ، وخلق الأعمال ، ومتعلقات القدر ، رأينا تقديم هذه الأصول . وقد حان أن نذكر مذهب أهل الحق في إرادة الكائنات ، والرد على مخالفيهم . فمذهبنا أن كل حادث مراد اللّه تعالى حدوثه ، ولا يختص تعلق مشيئة الباري بصنف من الحوادث دون صنف ، بل هو تعالى مريد لوقوع جميع الحوادث : خيرها وشرها ، نفعها وضرها . ومن أئمتنا من يطلق ذلك عاما ، ولا يطلقه تفصيلا . وإذا سئل عن كون الكفر مرادا للّه تعالى ، لم يخصص في الجواب ذكر تعلق الإرادة به ، وإن كان يعتقده ، ولكنه يجتنب إطلاقه لما فيه من إيهام الزلل ، إذ قد يتوهم كثير من الناس أن ما يريده اللّه تعالى يأمر به ويحرض عليه ؛ ورب لفظ يطلق عاما ولا يفصل . فإنك تقول : العالم بما فيه للّه تعالى ؛ وإن فرض سؤال في ولد أو زوجة ، لم تقل الزوجة والولد للّه تعالى ؛ ومن حقق من أئمتنا ، أضاف تعلق الإرادة إلى كل حادث : معمما ومخصصا ، مجملا ومفصلا . ومما اختلف أهل الحق في إطلاقه ، ومنع إطلاقه ، المحبة والرضا فإذا قال القائل : هل يحب اللّه تعالى كفر الكفار ويرضاه ؟ فمن أئمتنا من لا يطلق ذلك ويأباه . ثم هؤلاء تحزبوا حزبين :