تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
فمما ذكروه أن قالوا : الرب تعالى قادر على إلجاء الخلق واضطرارهم إلى الإيمان ، بأن يظهر آية تظل لها أعناق الجبابرة خاضعة . وإنما كان يلزم وصفه بالقصور لو لم يكن مقتدرا على سوق الخلق اقتهارا وإقسارا إلى ما أراد . وهذا الذي ذكروه تلبيس لا تحصيل له . فإنهم مطبقون على أن الرب لا يخلق إيمان المؤمنين وطاعة المطيعين ، وإنما المعنيّ بالإلجاء عندهم إظهار آيات هائلة يؤمن عندها الكفار . والذي ذكروه لا تحصيل له ؛ فإنه ربما يقع في المعلوم أن طوائف من الكفرة يصرون على كفرهم ولا يذعنون للحق ، وإن عظمت الآيات ، وهذا غير بعيد في جائزات العقول . والذي يقرره أن المعتزلة قالوا : رب عبد يعلم الرب تعالى أنه ليس في المقدور لطف يفعله الباري تعالى به فيؤمن عنده ، فإذا لم يكن ذلك بعيدا في اللطف ، لم يبعد في الآيات المخوفة . والذي يقطع هذا التشغيب أن نقول : لو ألجئوا لما كان إيمانهم مثابا عليه عندكم ، ولو قدر ذلك لكان قبيحا ، والرب سبحانه لا يريد القبائح على زعمكم ، وإنما يريد الإيمان المثاب عليه . ومن ضرورة الاختيار انتفاء الإلجاء والاضطرار ، فالذي أراده لا يقدر على تحصيله ، والذي يقدر عليه يستحيل أن يريده ؛ تعالى اللّه عن قول الزائفين . فإن قالوا : إذا جاز أن يكون ما نهى عنه ولا يكون ما أمر به ، فلا يمتنع أيضا أن يقع ما يكره ولا يقع ما يريد . وهذا ساقط من الكلام ؛ فإن ما لم يقع مما أمر به ، إنما لم يقع لأنه لم يرد أن يقع ، فلم يأت عدم الوقوع من صفة غيره فيلزم قصوره ؛ وإذا لم يقع ما أراد ، فقد أتى قصوره الإرادة من جهة غيره . فشتان بين ما ألزمونا به ، وبين ما ألزموه . ومما يقوي التمسك به إجماع السلف الصالحين ، قبل ظهور الأهواء واضطراب الآراء ، على كلمة متلقاة بالقبول غير معدودة من المجملات المتأولات ، وهي قولهم : ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن . ومما يطيش عقولهم ، اتفاق العلماء قاطبة على أن المديون القادر على إبراء ذمته ، إذا قال : واللّه لأقضين حق غريمي غدا إن شاء اللّه عز وجل ، فإذا انصرم الأجل المضروب والأمد المرقوب ولم يقضه ، فلم يحنث الحالف لاستثنائه بمشيئة اللّه ، وينزل ذلك منزلة ما لو قال : لأقضين حقه غدا إن شاء زيد ، ثم استبهمت مشيئته ولم يحط بها . فلو كان الرب تعالى مريدا لقضاء الدين لا محالة ، لتنزل ذلك منزلة ما لو قال : لأقضين حق غريمي غدا إن شاء زيد ، ثم شاء زيد ولم يقضه فيحنث لا محالة . ومما يقوي إلزامه ، أن نقول : الرب تعالى عندكم يريد إيمان الكافرين ، وذلك واجب في