الثالث : أن تخرجه من أطيب أموالك وأجودها ؛ قال اللّه تعالى :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ
[ النحل : 62 ] . وقال اللّه :
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ
[ البقرة : 267 ] . الآية . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه طيب لا يقبل إلا الطيب » يعني الحلال ، فإن المقصود من هذا إظهار درجة الحب ، والإنسان يؤثر الأحب إليه الأنفس دون الأخسّ .
الرابع : أن تعطي بوجه طلق مستبشر ، وأنت به فرحان غير مستكره ؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « سبق درهم مائة ألف » وإنما أراد ما يعطيه عن بشاشة وطيبة نفس من أنفس ماله وأجوده ، فذلك أفضل من مائة ألف مع الكراهة .
الخامس : أن تتخير لصدقتك محلا تزكو به الصدقة ؛ وهو المتقي العالم الذي يستعين بها على طاعة اللّه عز وجل وتقواه ، أو الصالح المعيل ذو الرحم .
فإن لم تجتمع هذه الأوصاف ، فتزكو للصدقة بآحادها أيضا . ورعاية الصلاح أصل الأمور ، فما الدنيا إلا البلغة « 1 » للعباد وزاد لهم إلى المعاد ، فليصرف إلى المسافرين إليه المتخذين هذه الدار منزلا من منازل الطريق . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تأكل إلا طعام تقيّ ، ولا يأكل طعامك إلّا تقيّ » .
الأصل الثالث في الصيام :
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يقول اللّه سبحانه : كل حسنة بعشر أمثالها ، إلى سبع مائة ضعف ، إلّا الصيام ، فإنه لي وأنا أجزي به » . وقال عليه السلام : « لكل شيء باب وباب العبادة الصوم » ، وإنما كان الصوم مخصوصا بهذه الخواص لأمرين : أحدهما أنه يرجع إلى كفّ ، وهو عمل سرّ لا يطلع عليه أحد غير اللّه تعالى لا كالصلاة والزكاة وغيرهما .
والثاني أنه قهر لعدو اللّه ؛ فإن الشيطان هو العدو ، ولن يقوى العدو ، إلا بواسطة الشهوات ، والجوع يكسر جميع الشهوات التي هي آلة الشيطان ، فلذلك قال عليه السلام : « إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاري الشيطان بالجوع » ، وهو سرّ قوله صلى اللّه عليه وسلم « إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنان ، وغلقت أبواب النيران ، وصفدت الشياطين ، ونادى مناد : يا باغي الخير هلمّ ويا باغي الشر أقصر » .
هامش
( 1 ) البلغة : ما يكفي من العيش .