الأصل الثاني في الزكاة والصدقة :
قال اللّه سبحانه :
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ، وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 261 ] . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « هلك الأكثرون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا » . فاعلم أن إنفاق المال في الخيرات أحد أركان الدين ؛ وإنما سر التكليف به بعد ما يرتبط به من مصالح البلاد والعباد ، وسد الخلّات « 1 » والفاقات . فإن المال محبوب الخلق ، وهم مأمورون بحب اللّه ، ويدعون الحب بنفس الإيمان ، فجعل بذل المال معيارا لحبهم ، وامتحانا لصدقهم في دعواهم ؛ فإن المحبوبات كلّها تبذل لأجل المحبوب الأغلب حبّه على القلب ، فانقسم الخلق فيه إلى ثلاث طبقات :
الطبقة الأولى : الأقوياء ؛ وهم الذين أنفقوا جميع ما ملكوا ولم يدخروا لأنفسهم شيئا ، فهؤلاء صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه من الحب ، كما فعل أبو بكر الصديق ، إذ جاء بماله كله ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما ذا أبقيت لنفسك » ؟ فقال : « اللّه ورسوله » . وقال لعمر - رضي اللّه عنه - « ما ذا أبقيت لنفسك » ؟ قال « مثله » أي مثل ما أتيت به .
فقال صلى اللّه عليه وسلم : « بينكما مثل ما بين كلمتيكما » .
الطبقة الثانية : المتوسطون ؛ وهم الذين لم يقدروا على إخلاء اليد عن المال دفعة واحدة ، ولكن أمسكوه لا للتنعم ، بل للإنفاق عند ظهور محتاج إليه ، فهم يقنعون في حق أنفسهم بما يقوّيهم على العبادة ، وإذا عرض محتاج بادروا إلى سد خلّته وحاجته ، ولم يقتصروا على قدر الواجب من الزكاة . وإنما غرضهم الأظهر في الإمساك ترصد الحاجات .
الطبقة الثالثة : الضعفاء ؛ وهم المقتصرون على أداء الزكاة الواجبة ، فلا يزيدون عليها ولا ينقصون منها .
فهذه درجاتهم ؛ وبذل كل واحد على مقدار حبه للّه . وما أراك تقدر على الدرجة الأولى والثانية ، ولكن اجتهد حتى تجاوز الدرجة الثالثة إلى أواخر طبقات المقتصدين
هامش
( 1 ) الخلات : جمع خلّة وهي الحاجة والفقر .