القرآن والأخبار المتواترة عن الأنبياء - عليهم السلام - القول بأن المعاد الجسماني : حق . ونشاهد أن الانسان يموت وتتفرق أجزاء بدنه .
ثم عند هذا لا يخلو اما أن تكون إعادة المعدوم جائزة ، أو لا تكون .
فان كانت جائزة ، فقد زالت الاشكالات ، وان لم تكن جائزة ، وجب القطع ببقاء النفس الانسانية ، حتى يصح القول بالمعاد الجسماني .
وأقصى ما في الباب : أن هذا يفضى إلى تخصيص تلك العمومات .
الا أن الدلائل الدالة على وقوع المعاد الجسماني قاطعة . وتخصيص ظواهر العمومات ، وان كان خلاف الأصل الا أنه غير ممتنع ، وتقديم القاطع على المحتمل واجب . ومن أنصف وترك العناد ، علم أن هذه المباحث وافية بإزالة الاشكالات المذكورة في هذا الباب .
والجواب عن الشبهة الثانية : هو انا بينا أن المعتبر في الحشر والنشر ، إعادة الأجزاء الأصلية ، لا إعادة الأجزاء الفاضلة . والأجزاء الأصلية ، لكل مكلف أجزاء فاضلة بالنسبة إلى غيره . وعلى هذا التقدير فالاشكال زائل . وأما إن قلنا بأن الشيء الّذي هو الانسان باق مصون عن التبدل والانحلال ، فهذا الاشكال غير متوجه البتة .
وبهذا الحرف يظهر الجواب عن الشبهة الثالثة : وذلك لأن المأمور والمنهى والمثاب والمعاقب ، هو تلك الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره . فأما الزوائد التي تتبدل باختلاف أحوال السمن والهزال ، فلا عبرة بها .
وبه يظهر الجواب عن الشبهة الرابعة : لأن الأجزاء التي تصير أبخرة وتنفصل عن العضو وتتصل بعضو آخر ، فهي من الأجزاء الفاضلة ، ولا عبرة بها في الحشر والنشر . وكل من أنصف علم أن هذه الأجوبة وافية بدفع هذه الشبهات .
الأربعين في أصول الدين — صفحة 61
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٦١