لا يعرف الا بالدلائل السمعية . وكل دليل نقلي فإنه لا يبعد تطرق التخصيص والنسخ إليه . فاذن كل دليل يدل على أن الاجماع حجة ، فإنه لا يتم كونه دليلا ، الا إذا عرفنا : أنه لم يوجد له ناسخ ، ولا مخصص وانما يحصل لنا العلم بهذا العدم ، لو عرفنا أنه لو حصل هذا الناسخ أو هذا المخصص لوجب أن يصل إلينا . وانما نعرف أنه لو كان لوصل لنا ، لو علمنا أنه لا يجوز على الأمة أن يخلوا بنقل بعض الشرائع .
وانما نعرف أنه لا يجوز فيهم هذا الاخلال ، إذا عرفنا كونهم موصوفين بوجوب العصمة . فثبت : أن العلم بأنه لم يحصل الاخلال بنقل الشريعة .
متى استفدناه من الاجماع ، لزم الدور . والدور باطل . فكان هذا القسم باطلا .
وإذا بطل هذا القسم ، ثبت : أن المتكفل بنقل الشريعة وحفظها عن التغيير والتبديل ، أشخاص معينون موصوفون بوجوب العصمة .
وذلك هو المطلوب .
لا يقال : لم لا يجوز أن يقال : الشريعة تبقى محفوظة بنقل أهل التواتر ؟
لأنا نقول : نقل أهل التواتر يدل على أن ما نقلوه صحيح . لكن لا يدل على أن الّذي لم ينقلوه لم يوجد . فأين أحد البابين من الآخر ؟
وهذه الشبهة كانوا يرتبونها على وجوه سخيفة . ونحن رتبناها لهم على هذا الوجه .
الشبهة الثالثة : الامام في اللغة عبرة عن الشخص الّذي يؤم به ويقتدى به كالرداء . فإنه اسم لما يرتدى به ، واللحاف اسم لما يلتحف به . وإذا ثبت هذا فنقول : لو جوزنا الذنب على الامام ، فحال اقدامه على ذلك الذنب ، اما أن يقتدى به ، أو لا يقتدى به . فإن كان الأول كان الله قد أمر بالذنب . وانه غير جائز . وان كان الثاني خرج الامام عن كونه إماما . لأن المأموم إذا رأى ما علم حسنه فعله . وإذا رأى ما علم قبحه لم يفعله . وحينئذ لا يكون متبعا له ، ولا مقتديا به ، بل يكون
الأربعين في أصول الدين — صفحة 265
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٦٥