أثرا قويا في كون الانسان متمكنا من الاخبار عن المغيبات . ونحن وان كنا نعلم بالدليل عدم صدقهم في هذه المقالة ، الا أن الاحتمال قائم . وبتقدير أن يكون ما قالوه حقا ، لم يمكننا أن نقطع بأن ظهور المعجزات من الله تعالى ، ولا بأن نقطع بأن اخبار الأنبياء عن المغيبات بوحي الله تعالى ، بل جاز أن يكون بقوة هذين السهمين في طوالعهم .
فثبت بهذه الوجوه الثمانية : أنه لا يمكن القطع بأن فاعل هذه المعجزات هو الله تعالى .
* * *
الاعتراض الثالث :
سلمنا : أن فاعلها هو الله تعالى . فلم قلتم :
أنه تعالى فعلها لغرض التصديق ؟ وتقريره من وجهين :
الأول : انكم أقمتم الدلائل القاهرة على أنه يمتنع أن تكون أفعال الله تعالى وأحكامه معللة بشيء من الأغراض والمقاصد . وإذا كان كذلك ، امتنع القول بأنه تعالى انما خلق هذه المعجزات لأجل غرض التصديق .
الوجه الثاني : هو أنا نقول : الفعل اما أن يكون موقوفا على الداعي ، وأما أن لا يكون . فإن كان موقوفا على الداعي ، كان الجبر لازما - على ما قررناه في مسألة خلق الأفعال - وإذا لزم الجبر كان الباري تعالى هو الخالق للكفر والمعاصي ، لأنه هو الّذي فعل القدرة والداعية اللتين مجموعهما يوجب هذه القبائح . وإذا كان الأمر كذلك ، لم يكن الاضلال ممتنعا في حق الله تعالى . وإذا كان كذلك ، فلم لا يجوز أن يقال : انه تعالى أظهر هذه المعجزات على يد هذا الكاذب ، لأجل الاضلال ؟ وأما إذا قلنا : ان الفعل غير موقوف على الداعي ، فحينئذ لا يبعد أن يقال : انه تعالى خلق هذه المعجزة لا لغرض البتة . وحينئذ لا يمكن الاستدلال بحق المعجزة على التصديق .