واعلم أنّه لمّا حصرها بالنفي من كونهما غاية المباح دلّ بمفهومه على صلاحيّة الغاية من السالفين له .
والذي أراه أنّه لا يصلح شيء من الأربع غاية له .
فإنّه لا يعقل كون المباح سبيلا إلى التقرّب ولا إلى المدح والثواب ؛ إذ لا رضى للبارئ تعالى في فعله وتركه ، ولا سخط ولا مدح ولا ثواب في فعله وتركه ولا ما يقابلهما . وما هذا حاله كيف يكون ما ذكر غاية له ؟ ! .
قال : ( ثمّ لمّا كان بعض المعارف العقليّة سببا لدفع الخوف الواجب أمكن أيضا جعله غاية لها . ولمّا كان السمعي إنّما يعلم بالأمر والنهي على لسان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وكان ترك الواجب مستلزما للمفسدة غالبا ، وترك القبيح مستلزما للمصلحة كذلك ، ظنّ أنّهما وجهان أيضا ) .
أقول : يمكن أن يكون دفع الخوف غاية لبعض المعارف العقليّة ، وذلك البعض هو ما يتوقّف عليه الموجب لدخول الجنان .
وترك الواجب المستلزم للمفسدة ، والقبيح المستلزم للمصلحة ، هو المذهب الرابع لبعض المعتزلة . وسيأتي .
وقيّد ب « الغالب » ليخرج النادر ، فإنّ ترك الواجب قد لا تلزمه مفسدة ، كمن ترك شدّة في قراءته أو طمأنينة في ركوعه ونحو ذلك . وترك القبيح ربّما استلزم مفسدة كالإقرار بالدين المستخفي .
وفي قوله : ظنّ أنّهما وجهان دلالة على عدم حكمه بصواب ذلك ؛ ليكون الظنّ مطابقا فيكون علما ، وعدم حكمه بخطئه ليكون مخالفا فيكون جهلا .
قال : ( وتحقيق القول في ذلك يتوقّف على مقدّمتين : الأولى : أنّ العقل يحكم بحسن أشياء وقبح أشياء كما مرّ ، والعلم بذلك ضروري . والمنازع إن لم يكن مكابرا فقد خفي عليه التصوّر ؛ ولأنّهما لو انتفيا عقلا لانتفيا سمعا ؛
أربع رسائل كلامية — صفحة 140
مساهمون: الشهيد الأول
ص١٤٠