فإن قيل : إثبات الرسالة لا يتوقف على استحالة الكذب على الله - تعالى - ليكون دورا ؛ فإنه لا يتوقف إثبات الرسالة على « 1 » الإخبار بكونه رسولا حتى يدخله الصدق ، أو الكذب ؛ بل إظهار المعجزة على وفق تحديه ينزل منزلة الإنشاء ، وإثبات الرسالة ، وجعله رسولا في الحال . وذلك كقول القائل لغيره : وكلتك في أشغالى ، واستنبتك « 2 » في أموري ، وذلك لا يستدعى تصديقا ولا تكذيبا .
قلنا : فلو ظهرت المعجزة على يد شخص لم يسبق منه التحدي ؛ إذ هو جائز على أصول أصحابنا ؛ لم تكن المعجزة دالة على نبوته ، وإثبات رسالته إجماعا . ولو كان ظهور المعجزة على يده منزل منزلة الإنشاء لرسالته ؛ لوجب أن يكون رسولا متبعا بعد ظهورها ؛ وليس كذلك .
فإن قيل : [ إن الإنشاء ] « 3 » مشروط بالتحدى ؛ فهو بعيد بالنظر إلى حكم الإنشاءات ؛ فإن من أنشأ أمرا ، وأثبته ابتداء لغيره لا يتوقف على سابقة الدعوى به لمن أثبت ذلك له ، وبتقدير أن يكون كذلك ؛ ولكن غايته ثبوت رسالته بطريق الإنشاء ، ولا يلزم منه أن يكون صادقا في كل ما يخبر به ، دون دليل عقلي يدل على صدقه ، فيما يخبر به ، أو تصديق الله - تعالى - له في ذلك بالمعجزة ، ولا دليل عقلي يدل على ذلك ، وتصديق الله - تعالى - له لو توقف على صدق خبره ؛ كان دورا ؛ كما سبق .
غير أن التمسك بمثل هذا المسلك السمعي في بيان استحالة الكذب في الكلام اللساني ، الدال على الكلام النفساني ؛ صحيح ؛ كما تقدم تقريره . والسؤال الوارد عليه ثمّ منقطع هاهنا ؛ فإن صدق الكلام اللساني ، وإن توقف على صدق الرسول ؛ فصدق الرسول غير متوقف على صدق الكلام اللساني ؛ بل على الكلام النفساني ؛ فامتنع الدور الممتنع فيه ؛ والله أعلم .
* * * * * * * *
هامش
( 1 ) في ب ( الاعلى ) .
( 2 ) في ب ( واستأذنتك ) .
( 3 ) في أ ( لان الأشياء ) .