كيف : وأنه إذا اعترف بأن الطريق المذكور موصل إلى العلم بوجود واجب الوجود ؛ فقد بينا في النوع الأول : أن ذاته وجوده ، ووجوده ذاته ؛ فإذا كان وجوده معلوما ؛ كانت ذاته معلومة .
وأما الآية : فلا حجة فيها ؛ فإن قوله - تعالى - :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ
« 1 » : أي من الأمور الغيبية ، والضمير في قوله - تعالى - :
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
« 2 » عائد إلى معلوم الله - تعالى - مما بين أيديهم ، وما خلفهم من الأمور الغيبية ، لا إلى الله تعالى .
وأما نحن فنقول : لا شك أنه معلوم الوجود ؛ فإن كان الوجود هو نفس الذات ؛ فالذات معلومة . وإن كان زائدا على الذات ؛ فالحكم بأن وجوده زائد على ذاته ، حكم تصديقي يستدعى تصور المحكوم عليه .
وعلى كلا التقديرين ؛ فيجب أن تكون ذاته متصورة .
ثم تصور الشيء تارة يكون بتصور ذاتياته ، ومقوماته « 3 » ، إن كان مركبا .
وتارة بتصور خواصه ، ولوازمه . وسواء كان مركبا ، أو بسيطا ، لكن ذات واجب الوجود بسيطة غير مركبة كما يأتي « 4 » ؛ فتصورها لا يكون بالطريق الأول ؛ بل بالثاني .
/ وعلى هذا : فمن قال إنها متصورة بالطريق الثاني ؛ فقد قال حقا . ومن قال إنها غير متصورة بالطريق الأول ؛ فقد قال حقا .
وأما إن وقع النزاع بالنفي ، والإثبات على أحد الطرفين ؛ فالنافى في الطريق الأول :
مصيب ، وفي الثاني : مخطئ ، والمثبت بعكسه .
* * * * *
هامش
( 1 ) سورة البقرة 2 / 255 .
( 2 ) سورة طه 20 / 110 .
( 3 ) في ب ( ومعلوماته ) .
( 4 ) انظر ل 142 / أو ما بعدها .