تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد في الاعتقاد — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
ليس بجهة فكيف لم يعرف موسى عليه أفضل الصلاة أنه ليس بجهة ، أو كيف عرف أنه ليس بجهة ولم يعرف أن رؤية ما ليس بجهة محال ؟ فليت شعري ما ذا يضمر الخصم ويقدره من ذهول موسى صلى اللّه عليه وسلم ، أيقدره معتقدا أنه جسم في جهة ذو لون ، واتهام الأنبياء صلوات اللّه سبحانه وتعالى عليهم وسلامه كفر صراح ، فإنه تكفير للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، فإن القائل بأن اللّه سبحانه جسم وعابد الوثن والشمس واحد ! أو يقول علم استحالة كونه بجهة ، ولكنه لم يعلم أن ما ليس بجهة فلا يرى ، وهذا تجهيل للنبي عليه أفضل السلام لأن الخصم يعتقد أن ذلك من الجليات لا من النظريات . فأنت الآن أيها المسترشد مخير من أن تميل إلى تجهيل النبي صلى اللّه عليه وسلم تسليما ، أو إلى تجهيل المعتزلي ، فاختر لنفسك ما أليق بك والسلام . فإن قيل : إن دلّ هذا لكم فقد دلّ عليكم ، لسؤاله الرؤية في الدنيا ودلّ عليكم قوله تعالى
لَنْ تَرانِي
« 1 » ودل قوله سبحانه
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
« 2 » . قلنا : أما سؤاله الرؤية في الدنيا فهو دليل على عدم معرفته بوقوع وقت ما هو جائز في نفسه ، والأنبياء كلهم عليهم أفضل السلام لا يعرفون من الغيب إلا ما عرّفوا ، وهو القليل ، فمن أين يبعد أن يدعو النبي عليه أفضل السلام كشف غمة وإزالة بلية وهو يرتجي الإجابة في وقت لم تسبق في علم اللّه تعالى الإجابة فيه ، وهذا من ذلك الفن . وأما قوله سبحانه
لَنْ تَرانِي
« 1 » فهو دفع لما التمسه ، وإنما التمس في الآخرة ، فلو قال أرني انظر إليك في الآخرة ، فقال لن تراني ، لكان ذلك دليلا على نفي الرؤية ، ولكن في حق موسى صلوات اللّه سبحانه وسلامه
هامش
( 1 ) سورة الأعراف الآية : 143 . ( 2 ) سورة الأنعام الآية : 103 .