تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد في الاعتقاد — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
وحصل ما في الصدور ، وزكيت القلوب بالشراب الطهور ، وصفيت بأنواع التصفية والتنقية ، لم يمتنع أن تشتغل بسببها لمزيد استكمال واستيضاح في ذات اللّه سبحانه أو في سائر المعلومات ، يكون ارتفاع درجته عن العلم المعهود كارتفاع درجة الإبصار عن التخيل ، فيعبر عن ذلك بلقاء اللّه تعالى ومشاهدته أو رؤيته أو إبصاره أو ما شئت من العبارات . فلا مشاحة فيها وبعد إيضاح المعاني . وإذا كان ذلك ممكنا بأن خلقت هذه الحالة في العين ، كان اسم الرؤية بحكم وضع اللغة عليه أصدق وخلقه في العين غير مستحيل . كما أن خلقها في القلب غير مستحيل فإذا فهم المراد بما أطلقه أهل الحق من الرؤية . علم أن العقل لا يحيله بل يوجبه ، وأن الشرع قد شهد له فلا يبقى للمنازعة وجه إلا على سبيل العناد أو المشاحنة في إطلاق عبارة الرؤية أو القصور عن درك هذه المعاني الدقيقة التي ذكرناها . ولنقتصر في هذا الموجز على هذا القدر . - الطرف الثاني في وقوعه شرعا ، وقد دل الشرع على وقوعه ومداركه كثيرة ، ولكثرتها يمكن دعوى الإجماع على الأولين في ابتهالهم إلى اللّه سبحانه في طلب لذة النظر إلى وجهه الكريم . ونعلم قطعا من عقائدهم أنهم كانوا ينتظرون ذلك وأنهم كانوا قد فهموا جواز انتظار ذلك وسؤاله من اللّه سبحانه ، بقرائن أحوال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وجملة من ألفاظه الصريحة التي لا تدخل في الحصر ، بالاجماع الذي يدل على خروج المدارك عن الحصر . ومن أقوى ما يدل عليه سؤال موسى صلى اللّه عليه وسلم ( أرني أنظر أليك ) « 1 » فإنه يستحيل أن يخفى عن نبي من أنبياء اللّه تعالى انتهى منصبه إلى أن يكلمه اللّه سبحانه شفاها أن يجهل من صفات ذاته تعالى ما عرفه المعتزلة . وهذا معلوم على الضرورة ، فإن الجهل بكونه ممتنع الرؤية عند الخصم يوجب التفكير أو التضليل وهو جهل بصفة ذاته لأن استحالتها عندهم لذاته ولأنه
هامش
( 1 ) سورة الأعراف الآية : 143 .