تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد في الاعتقاد — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
على الحدوث ، سوّى بينه وبين الأجسام والأعراض في جواز تعلق العلم بذاته وصفاته . والرؤية نوع علم لا يوجب تعلقه بالمرئي تغير صفة ولا يدل على حدوث ، فوجب الحكم بها على كل موجود ، فان قيل : فكونه مرئيا يوجب كونه بجهة وكونه بجهة يوجب كونه عرضا أو جوهرا وهو محال ، ونظم القياس أنه إن كان مرئيا فهو بجهة من الرأي وهذا اللازم محال فالمفضي إلى الرؤية محال . قلنا : أحد الأصلين من هذا القياس مسلّم لكم ، وهو أن هذا اللازم محال ، ولكن الأصل الأول وهو ادعاء هذا اللازم على اعتقاد الرؤية ممنوع . فنقول لم قلتم انه إن كان مرئيا فهو بجهة من الرأي ، أعلمتم ذلك بضرورة ، أم بنظر ؟ ولا سبيل إلى دعوى الضرورة ، وأما النظر فلا بد من بيانه . ومنتهاهم أنهم لم يروا إلى الآن شيئا إلا وكان بجهة من الرأي مخصوصة ، فيقال : وما لم ير فلا يحكم باستحالته ، ولو جاز هذا لجاز للمجسم أن يقول إنه تعالى جسم ، لأنه فاعل ، فإننا لم نر إلى الآن فاعلا إلا جسما . أو يقول إن كان فاعلا وموجودا فهو إما داخل العالم وإما خارجه ، وإما متصل وإما منفصل ، ولا تخلو عنه الجهات الست ، فإنه لم يعلم موجود إلا وهو كذلك فلا فضل بينكم وبين هؤلاء . وحاصله يرجع إلى الحكم بأن ما شوهد وعلم ينبغي أن لا يعلم غيره الا على وفقه ، وهو كمن يعلم الجسم وينكر العرض ويقول : لو كان موجودا لكان يختص بحيز ويمنع غيره من الوجود بحيث هو كالجسم . ومنشأ هذا إحالة موجودات اختلاف الموجودات في حقائق الخواص مع الاشتراك في أمور عامة ، وذلك بحكم لا أصل له ، على أن هؤلاء لا يغفل عن معارضتهم بأن اللّه يرى نفسه ويرى العالم وهو ليس بجهة من نفسه ولا من العالم ، فإذا جاز ذلك فقد بطل هذا الخيال . وهذا مما يعترف به أكثر المعتزلة ولا يخرج عنه لمن اعترف به ومن أنكر منهم فلا يقدر على انكار رؤية الانسان نفسه في المرآة ، ومعلوم أنه ليس في مقابلة نفسه فإن زعموا أنه لا يرى نفسه وإنما يرى صورة محاكية لصورته منطبعة في المرآة
الاقتصاد في الاعتقاد — صفحة 42 | الغزالي