تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد في الاعتقاد — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
وجلاله ولا يمكن زوال علوه ، وأما النزول بمعنى اللطف والرحمة وترك الفعل اللائق بالاستغناء وعدم المبالاة فهو ممكن ، فيتعين التنزيل عليه ، وقيل إنه لما نزل قوله تعالى :
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ
« 1 » استشعر الصحابة رضوان اللّه عليهم من مهابة عظيمة واستبعدوا الانبساط في السؤال والدعاء مع ذلك الجلال ، فأخبروا أن اللّه سبحانه وتعالى مع عظمة جلاله وعلو شأنه متلطف بعباده رحيم بهم مستجيب لهم مع الاستغناء إذا دعوه ، وكانت استجابة الدعوة نزولا بالإضافة إلى ما يقتضيه ذلك الجلال من الاستغناء وعدم المبالاة . فعبر عن ذلك بالنزول تشجيعا لقلوب العباد على المباسطة بالأدعية بل على الركوع والسجود ، فإن من يستشعر بقدر طاقته مبادي جلال اللّه تعالى استبعد سجوده وركوعه . فإن تقرب العباد كلهم بالإضافة إلى جلال اللّه سبحانه أحس من تحريك العبد إصبعا من أصابعه على قصد التقرب إلى ملك من ملوك الأرض ، ولو عظم به ملكا من الملوك لاستحق به التوبيخ ، بل من عادة الملوك زجر الأرزال عن الخدمة والسجود بين أيديهم والتقبيل لعتبة دورهم استحقارا لهم عن الاستخدام وتعاظما عن استخدام غير الأمراء والأكابر ، كما جرت به عادة بعض الخلفاء . فلولا النزول عن مقتضى الجلال باللطف والرحمة والاستجابة لاقتضى ذلك الجلال أن يبهت القلوب عن الفكر ، ويخرس الألسنة عن الذكر ، ويخمد الجوارح عن الحركة ، فمن لاحظ ذلك الجلال وهذا اللطف استبان له على القطع أن عبارة النزول مطابقة للجلال ومطلقة في موضوعها لا على ما فهمه الجهال ؛ فإن قيل فلم خصص السماء الدنيا ؟ قلنا : هو عبارة عن الدرجة الأخيرة التي لا درجة بعدها ، كما يقال سقط إلى الثرى وارتفع إلى الثريا ، على تقدير أن الثريا أعلى الكواكب والثرى أسفل المواضع . فإن قيل : فلم خصص بالليالي ، فقال ينزل كل ليلة ؟ قلنا : لأن الخلوات مظنة الدعوات والليالي أعدت لذلك ،
هامش
( 1 ) - سورة غافر الآية : 15 .
الاقتصاد في الاعتقاد — صفحة 40 | الغزالي