تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد في الاعتقاد — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
وأما الميزان فهو أيضا حق وقد دلت عليه قواطع السمع ، وهو ممكن فوجب التصديق به . فإن قيل : كيف توزن الأعمال وهي أعراض وقد انعدمت ، والمعدوم لا يوزن ؟ وإن قدرت إعادتها وخلقها في جسم الميزان كان محالا لاستحالة إعادة الأعراض ، ثم كيف تخلق حركة يد الانسان وهي طاعته في جسم الميزان ؟ أيتحرك بها الميزان فيكون ذلك حركة الميزان لا حركة يد الانسان ، أم لا تتحرك فتكون الحركة قد فاتت بجسم ليس هو متحركا بها ، وهو محال ؟ ثم إن تحرك فيتفاوت من الميزان بقدر طول الحركات وكثرتها لا بقدر مراتب الأجور ، فرب حركة بجزء من البدن يزيد إثمها على حركة جميع البدن فراسخ فهذا محال . فنقول : قد سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن هذا فقال : توزن صحائف الأعمال فإن الكرام الكاتبين يكتبون الأعمال في صحائف هي أجسام ، فإذا وضعت في الميزان خلق اللّه تعالى في كفتها ميلا بقدر رتبة الطاعات وهو على ما يشاء قدير ) . فإن قيل : فأي فائدة في هذا ؟ وما معنى المحاسبة ؟ قلنا : لا نطلب لفعل اللّه تعالى فائدة :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
« 1 » . تم قد دللنا على هذا . ثم أي بعد في أن تكون الفائدة فيه أن يشاهد العبد مقدار أعماله ويعلم أنه مجزي بها بالعدل أو يتجاوز عنه باللطف ، ومن يعزم على معاقبة وكيله بجنايته في أمواله أو يعزم على الإبراء فمن أين يبعد أن يعرفه مقدار جنايته بأوضح الطرق ليعلم أنه في عقوبته عادل وفي التجاوز عنه متفضل . هذا إن طلبت الفائدة لأفعال اللّه تعالى ، وقد سبق بطلان ذلك . وأما الصراط فهو أيضا حق ، والتصديق به واجب ، لأنه ممكن ، فإنه عبارة عن جسر ممدود على متن جهنم يرده الخلق كافة ، فإذا توافوا عليه قيل للملائكة
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء الآية : 23 .