بأن تفرض في صفة معينة كالكلام مثلا ، فإن الكرامية قالوا إنه في الأزل متكلم ، على معنى أنه قادر على خلق الكلام في ذاته ، ومهما أحدث شيئا في غير ذاته أحدث في ذاته قوله كن ولا بد أن يكون قبل إحداث هذا القول ساكتا ، ويكون سكوته قديما ، وإذا قال جهم أنه يحدث في ذاته علما فلا بد أن يكون قبله غافلا وتكون غفلته قديمة .
فنقول : السكوت القديم والغفلة القديمة يستحيل بطلانهما لما سبق من الدليل على استحالة عدم القديم . فإن قيل السكوت ليس بشيء إنما يرجع إلى عدم الكلام ، والغفلة ترجع إلى عدم العلم والجهل وأضداده ، فإذا وجد الكلام لم يبطل شيء إذ لم يكن شيء إلا الذات القديمة ، وهي باقية ، ولكن انضاف إليها موجود آخر وهو الكلام والعلم .
فأما أن يقال : انعدم شيء فلان ويتنزل ذلك منزلة وجود العالم ، فإنه يبطل العدم القديم ولكن العدم ليس بشيء حتى يوصف بالقدم ويقدر بطلانه . والواجب من وجهين أحدهما أن قول القائل السكوت هو عدم الكلام وليس بصفة والغفلة عدم العلم وليست بصفة ، كقوله البياض هو عدم السواد وسائر الألوان وليس بلون ، والسكون هو عدم الحركة وليس بعرض ، وذلك محال ، والدليل الذي دل على استحالته بعينه يدل على استحالة هذا ، والخصوم في هذه المسألة معترفون بأن السكون وصف زائد على عدم الحركة ، فإن كل من يدعي أن السكون هو عدم الحركة لا يقدر على اثبات حدوث العالم ، فظهور الحركة بعد السكون إذا دل على حدوث المتحرك ، فكذلك ظهور الكلام بعد السكوت يدل على حدوث المتكلم ، من غير فرق ، إذ المسلك الذي به يعرف كون السكون معنى هو مضاد للحركة بعينه يعرف به كون السكوت معنى يضاد الكلام ، وكون الغفلة معنى يضاد العلم ، وهو أنا إذا أدركنا تفرقة بين حالتي الذات الساكنة والمتحركة فإن الذات مدركة على الحالتين ، والتفرقة مدركة بين الحالتين ولا نرجع التفرقة إلى زوال أمر وحدوث أمر فإن
الاقتصاد في الاعتقاد — صفحة 93
مساهمون: الغزالي
ص٩٣