تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد في الاعتقاد — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
إليه لزم جواز اتصافه بالحوادث أبدا ، ولزم منه حوادث لا أول لها ، وقد قام الدليل على استحالته ، وهذا القسم ما ذهب إليه أحد من العقلاء وإن ارتقى الوهم إلى حادث استحال قبله حدوث حادث فتلك الاستحالة لقبول الحادث في ذاته ، لا تخلو إما أن تكون لذاته أو لزائد عليه . وباطل أن يكون لزائد عليه ، فإن كل زائد يفرض ممكن تقدير عدمه ، فيلزم منه تواصل الحوادث أبدا وهو محال ، فلم يبق إلا أن استحالته من حيث أن واجب الوجود يكون على صفة يستحيل معها قبول الحوادث لذاته ، فإذا كان ذلك مستحيلا في ذاته أزلا ، استحال أن ينقلب المحال جائزا وينزل ذلك منزلة استحالته لقبول اللون أزلا ، فإن ذلك يبقى فيما لا يزال لأنه لذاته لا يقبل اللون باتفاق العقلاء ، ولم يجز أن تتغير تلك الاستحالة إلى الجواز فكذلك سائر الحوادث . فإن قيل : هذا يبطل يحدث العالم ، فإنه كان ممكنا قبل حدوثه ولم يكن الوهم يرتقي إلى وقت يستحيل حدوثه قبله ومع ذلك يستحيل حدوثه أزلا ولم يستحل على الجملة حدوثه . قلنا هذا الإلزام فاسد ؛ فإنا لم نحل إثبات ذات تنبو عن قبول حادث لكونها واجبة الوجود ، ثم تتقلب إلى جواز قبول الحوادث . والعالم ليس له ذات قبل الحدوث موصوفة بأنها قابلة للحدوث أو غير قابلة حتى ينقلب إلى قبول جواز الحدوث ، فيلزم ذلك على مساق دليلنا ، نعم ، يلزم ذلك المعتزلة حيث قالوا للعالم ذات في العدم قديمة ، قابلة للحدوث ، يطرأ عليها الحدوث بعد أن لم يكن . فأما على أصلنا فغير لازم ، وإنما الذي نقوله في العالم أنه فعل وقدم الفعل محال ، لأن القديم لا يكون فعلا . الدليل الثالث : هو أنا نقول : إذا قدرنا قيام حادث بذاته فهو قبل ذلك إما أن يتصف بضد ذلك الحادث أو بالانفكاك عن ذلك الحادث . وذلك الضد أو ذلك الانفكاك إن كان قديما استحال بطلانه وزواله لأن القديم لا يعدم وإن كان حادثا كان قبله حادث لا محالة ، وكذا قبل ذلك الحادث حادث يؤدي إلى حوادث لا أول لها وهو محال ، ويتضح ذلك