ومن حكمته تعالى : أن جعل [ في مقدّم فم الإنسان ] « 1 » حدادا لقطع الغذاء ، وفي مؤخّره عراضا لطحنه ، وجعل للعينين أهدابا تقيها ممّا يلاقيها من المؤذيات لها ، وكذلك جعل الأظفار في رؤوس الأنامل ، ليكون دعامة لها ، لئلّا تحفى .
وأمّا المقدّمة الثّانية - وهي أنّ كلّ من صدر منه الأفعال المحكمة المتقنة ، فهو عالم - : فلأنّه معلوم بالبديهة « 2 » لكلّ عاقل ؛ فإنّ كلّ عاقل يجزم بأنّ الكتابة المحكمة لا تصدر إلّا من عالم بها ، وكذا « 3 » باقي الصّناعات .
[ في حياته تعالى ]
قال « قدّس اللّه روحه » :
ويجب أن يعتقد أنّه تعالى حيّ ، لأنّ معنى الحيّ ، هو : الّذي يصحّ منه أن يقدر ويعلم . وقد بيّنا أنّه تعالى قادر عالم « 4 » ، فيكون حيّا بالضّرورة .
أقول : معنى الحيّ ، هو : الّذي يصحّ منه أن يقدر ويعلم ، وقد ثبت أنّه تعالى قادر عالم ، فيكون حيّا بالضّرورة ، لأنّ غير الحيّ يستحيل أن يكون قادرا عالما بالضّرورة .
[ في عموم قدرته وعلمه ]
قال « قدّس اللّه روحه » :
ويجب أن يعتقد أنّه تعالى قادر على كلّ مقدور ، [ و ] عالم بكلّ معلوم ، لأنّ نسبة المقدورات إليه على السّويّة « 5 » ، لأنّ المقتضي لاستناد الأشياء إليه هو الإمكان ، وجميع الأشياء مشتركة في هذا المعنى ، وليس علمه ببعض الأشياء أولى من علمه بالبعض الآخر ؛ فإمّا أن لا يعلم شيئا منها - وقد بيّنّا استحالته - [ أو يعلم البعض دون البعض ، وهو ترجيح من غير مرجّح ] ، أو يعلم الجميع ، وهو المطلوب .
هامش
( 1 ) « ج » : الأسنان في مقدّم الفم .
( 2 ) « ج » : بالبديهيّة .
( 3 ) « ج » : وكذلك .
( 4 ) راجع ص : 56 و 57 .
( 5 ) « ج » : بالسّويّة .