حتى إذا نشر رداء الردى عليه ، وقرّبت حمولة البلى إليه ، تنازعته أكتاف الرجال ، كما تنازعته من قبل ظماء الآمال ، فكأن الشمس غبرى من حثو التراب ، والأرض غرقى من دموع المصاب ، والآذان موقورة من رفع العقائر « 1 » ، والأبصار مخطوفة من نقض الغدائر .
وقد غدت الوجوه مسفورة للنظار ، والجموع محشورة للاعتبار ، والعيون بين جموم « 2 » تجري سواقيه ، وجمود لا تندى مآقيه . وودّت زهر النجوم لو صادفن ليلا فدعون ويلا ، وتناوحن على المصاب خيلا فخيلا ، وأما الليل فقد أحسن فيه من قال ، وإن ركب الارتجال :
لقد بكت الليالي في دجاها * لموت القرم مصباح الأنام
فأشخاص النجوم الزهر مما * تجسّم من مدامعها السجام
ويظل هجّيري « 3 » كل ثاكل سائر وصائر « 4 » إلى موقف الوداع حائر :
من كان مسرورا بموت أميرنا * فليأت نسوته بوجه نهار [ 200 ب ]
يجد النساء حواسرا يندبنه * بالصبح قبل تبلّج الأسحار
يخمشن حرّ وجوههن على فتى * عفّ الشمائل طيب الأخبار
قد كن يخبأن الوجوه تسترا * فاليوم جئن برزن « 5 » للنظّار
ها إنا لله وإنا إليه راجعون من شعوب « 6 » ، تركت القلوب شعوبا ، وأوسعت الأكباد ثقوبا « 7 » ، وكظمت النفوس كروبا ، وسفحت العيون غروبا « 8 » ، ونضحت الوجوه قطوبا ،
هامش
( 1 ) جمع عقيرة : البكاء أو الغناء أو القراءة بأعلى الصوت . ابن منظور - لسان العرب ، مج 4 ، ص 593 ( عقر ) .
( 2 ) كثرة الماء . ابن منظور - لسان العرب ، مج 12 ، ص 105 ( جمم ) .
( 3 ) هجّيري الرجل : دأبه وديدنه وعادته . ابن منظور - لسان العرب ، مج 5 ، ص 254 ( هجر ) .
( 4 ) وردت في ب : سار .
( 5 ) وردت في ب : حين بدون .
( 6 ) المنية . ابن منظور - لسان العرب ، مج 1 ، ص 501 ( شعب ) .
( 7 ) وردت في ب : نقوبا .
( 8 ) الغروب : الدموع . ابن منظور - لسان العرب ، مج 1 ، ص 642 ( غرب ) .