وسار السلطان نحو مقصده ، وأقبل الشيخ الجليل على ما جعل بصدده ، فهذّب الأمور ، ونظم المنثور ، ووظّف الأموال ، وصرف العمال ، وردّ صاحب الديوان أبا [ 196 ب ] إسحاق على جملته إلى خراسان مستوفيا عليهم ما يلزمهم من حاصل وباق ، وعتيق وناض « 1 » . وقعد في الدّست « 2 » كالبدر المنير ، والسيف الشهير ، منفردا بالتدبير ، محتشدا لروعة الملك وهيبة السرير . فلما اتفق عود السلطان إلى قرار غزنة « 3 » ، وشاهد الأمور في كنف وزارته منظومة العقود ، مضبوطة الحدود ، والأموال وافرة الريوع ، حافلة الضروع ، رسم له بأن ينحدر إلى خراسان ، مستنظفا ما وهي أو وهن صاحب الديوان في جبايته واستيفائه ، وقصر أو قصّر عن تبرّضه « 4 » وامترائه « 5 » . فانحدر إلى هراة ، وهيبته تأخذ النفوس بمخنقها ، وتختلج القلوب عن معلقها . ويكاد ينطق له كل مال مخزون ، ويلفظ إليه كل درهم مدفون ، فجمع « 6 » عن تسمح « 7 » النفوس بما جمعته ، واستكراهها عما منعته ، مالا لم « 8 » يسمع بمثله محمولا من خراسان أذهابا وأوراقا ، وقصبا « 9 » رقاقا ، وغلمانا « 10 » رشاقا ، وأفراسا عتاقا . وتلاقت الرفائع « 11 » على صاحب الديوان بما ناله من صنوف المنافع ، ووجوه
هامش
( 1 ) ربما قصد الدرهم والدينار . انظر : الفيروزآبادي - القاموس المحيط ، ج 2 ، ص 346 ( نضض ) .
( 2 ) صدر المجلس . ادي شير - معجم الألفاظ ، ص 63 .
( 3 ) وردت في ب : قرارة عزه .
( 4 ) تبرضّ حاجته : أخذها قليلا قليلا ، أو شيئا بعد شئ . ابن منظور - لسان العرب ، مج 7 ، ص 116 ( برض ) .
( 5 ) الامتراء : الاستخراج والاستدرار . ابن منظور - لسان العرب ، مج 15 ، ص 277 ( مرا ) .
( 6 ) ساقطة في ب .
( 7 ) وردت في الأصل : التسمح .
( 8 ) وردت في الأصل : لا .
( 9 ) وردت في ب : عصبا .
( 10 ) وردت في الأصل : غملمانا .
( 11 ) الرفائع أو الارتفاعات ما يرتفع من البلدان أي ما تنتجة تلك البلدان . وهذا مستعمل عند كثير من البلدانيين المسلمين . انظر على سبيل المثال : المقدسي - أحسن التقاسيم ، ص 323 .