جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
« 1 » ، فنسخت بشريعته الشرائع ، وبصنيعته الصنائع ، وبدليله الأدلّة ، وببدره الأقمار والأهلّة ، وانتشرت نبوءته مسداة بالخلاص ، ملحّمة بالإخلاص ، معلّمة بالتمام ، مطرّزة بالدوام ، على تعاقب الليالي والأيام ، لم يفرط فيها من شئ يقتضي تاما ، ويستدعي رؤبة ولحاما « 2 » ، قال الله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
« 3 » فأطلق على الدين لفظ الكمال ، لاستقامته على غاية الاعتدال ، وانتفائه عن عوارض النقص والاختلال ، إلى أن قبضه الله جلّ ذكره إليه مشكور السعي والأثر ، ممدوح النصر والظفر ، مرضي السمع والبصر ، محمود العيان والخبر ، فاستخلف في أمته الثقلين : كتاب الله وعترته « 4 » اللذين يحميان الأقدام أن تزلّ ، والأحلام أن تضلّ ، والقلوب أن تمرض ، والشكوك أن تعترض ، فمن تمسك بهما ، فقد أمن من العثار ، وربح اليسار ، ومن صدف « 5 » عنهما فقد أساء الاختيار ، وركب الخسار ، وارتدف الإدبار [ 3 ب ]
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
« 6 » ، فصلى الله عليه وعلى آله ما انبلج عن الليل الصباح « 7 » ، واقترن العزّ بأطراف الرماح ، ونادى المنادي بحيّ على الفلاح ، صلاة تكافىء حسن بلائه ، وتضاهي سابق غنائه ، وتقضي فرض طاعته ، وتقتضي فرض شفاعته ، وسلم تسليما . وبعد :
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 143 .
( 2 ) وردت في ب : رؤية وإلخاما ، وهو خطأ . حيث إن الرؤبة هي القطعة التي يرأب بها الإناء ، أي يصلح صدعه . ابن منظور - لسان العرب ، مج 1 ، ص 398 ( رأب ) . أما اللّحام فهو ما يلحم به الصدع والشق . ابن منظور - لسان العرب ، مج 12 ، ص 538 ( لحم ) .
( 3 ) سورة المائدة ، الآية 3 .
( 4 ) انظر : الترمذي - السنن ، ج 5 ، ص 662 ؛ ابن خزيمة - الصحيح ، ج 4 ، ص 62 ؛ الحاكم النيسابوري - المستدرك على الصحيحين ، ج 3 ، ص 118 ؛ ابن كثير - التفسير ، ج 4 ، ص 114 .
( 5 ) صدف : أعرض . ابن منظور - لسان العرب ، مج 9 ، ص 187 ( صدف ) .
( 6 ) سورة البقرة ، الآية 16 .
( 7 ) وردت في الأصل : الليل عن الصباح ، والتصحيح من ب ، حيث إن الانبلاج للضوء والشروق ، وليس لليل . ابن منظور - لسان العرب ، مج 2 ، ص 215 ( بلج ) .