وانتدب الأمير سيف الدولة للحرب فعبىّ المواكب ، ورتب الجيوش كواكب .
ودلف إلى القتال في رجال كالرماح ، أو كالنّهال القماح « 1 » ، يهشّون للقراع ، هشاشة الأطفال للرضاع ، ويرتاحون للكفاح ، ارتياح الهيم للماء القراح ، كما قال أبو تمام « 2 » :
سفع الدؤوب وجوههم فكأنهم * وأبوهم سام أبوهم حام
تخذوا الحديد من الحديد معاقلا * سكانها الأرواح والأجسام [ 84 أ ]
مسترسلين إلى الحتوف كأنما * بين الحتوف وبينهم أرحام
آساد موت مخدرات ما لها * إلا الصوارم والقنا آجام « 3 »
وبرز إسماعيل بمن « 4 » شايعه من مواليه ، وتابعه من رجال أبيه ، وقد حصّن الصفوف بفيلته العظام ، كأنها أركان يذبل « 5 » أو هضاب شمام « 6 » . ودنا الفريقان بعضهم من بعض ضربا بالسيوف البواتك ، وطعنا بالرماح الفواتك ، ورضّا للهام من تحت التّرائك « 7 » .
فظلت رحى الحرب تعركهم بثفالها « 8 » ، وتدور عليهم بأثقالها ، إلى أن رمت الشمس بجمرات الظهيرة ، وقد لاذ بالأمان من سبق وعده ، وطلع بالإقبال سعده . وعندها حمل الأمير سيف الدولة بنفسه ، فتداعت الزحوف ، وتخالطت « 9 » الصفوف ، وخطبت على منابر الرقاب السيوف . وثارت عجاجة أخذت العيون عن الأشباح ، وأذهلت النفوس عن
هامش
( 1 ) يقصد ب ( النّهال القماح ) الإبل العطشى التي تسرع إلى الماء . انظر : ابن منظور - لسان العرب ، مج 2 ، ص 566 ( قمح ) ، مج 11 ، ص 681 ( نهل ) .
( 2 ) وردت في ب : ولأبي تمام . والأبيات في ديوانه ، ص 490 .
( 3 ) وردت في الأصل : الحام ، والتصحيح من ب والديوان .
( 4 ) وردت في الأصل : من ، والتصحيح من ب .
( 5 ) جبل عظيم لباهلة في نجد . ياقوت - معجم البلدان ، مج 5 ، ص 433 .
( 6 ) جبل أشم طويل الرأس لباهلة أيضا . ياقوت - معجم البلدان ، مج 3 ، ص 361 .
( 7 ) جمع تريكة وهي بيضة الحديد التي يلبسها المحارب . ابن منظور - لسان العرب ، مج 10 ، ص 406 ( ترك ) .
( 8 ) جلد يبسط تحت الرحى ليقي الطحين من التراب . ابن منظور - لسان العرب ، مج 11 ، ص 85 ( ثفل ) .
( 9 ) وردت في ب : تخالفت .