فشكرت قندافة وابنها كثير وسائر جنودها للاسكندر ، ويحسبون ان الرسول هو قيطفور « 1 » الوزير . ولم يعلموا انه الإسكندر . قالت قندافة : جزيت خيرا ايّها الوزير ! فأعاننا الله على مكافأتك ! فلما دخلوا مدينتهم أمرت للاسكندر في اليوم الثاني حتّى دخل قندافة . فلّما تأملته ، عرفته بالصورة التي صوّرتها . فعلمت انّه الإسكندر نفسه . وكانت جالسة ، في مجالس لها مسقّفة بأعمدة الذهب وحيطانها ، مطليّة بماء الذهب مفضّضة بألوان الجواهر ، وفي صدره سرير من ذهب مفضض « 2 » بالدر والياقوت . وهي جالسة فوقه ، على رأسها تاجها . وعلى باب ذلك المجلس أروقة معمدة بأساطين المها . وعلى رؤوس تلك الأساطين ثماثيل رجال ونساء على الخيول ، يخيّل إلى من رآها ان يحضّن « 3 » بفرسانها . فكان « 4 » ذلك البيت يضئ كالقمر ليلة البدر . فكثر تعجّب الإسكندر من ذلك ، وتقاصر اليه ملكه . ثم دعت بالطعام فقدّم إليها من الألوان ما لم تره عين الإسكندر ، ولم يسمع به . فلما فرغوا من الاكل ، قالت للاسكندر : يا قيطفور . فيم بعثك صاحبك ، وما الذي يريد ، وإلى ما يدعو ؟ قال : إلى اللّه ، جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ، واعلمى انّ الله عزّ وجلّ ، قد سلّط صاحبي على ملوك الأرض . فمن لم يدن له طائعا دان له كارها . وقد بلغه عنك عقل وفضل رأي ، فذلك الذي حداه عن الامساك عنك ، وتركه المصير إليك ، ومنابذتك الحرب . وانه بعثني إليك لابدأك بالاسلام وأدعوك قبل كل شئ إلى الايمان باللّه ، تبارك وتعالى . فان قبلت ؛ كان لك ماله ، وعليك ما عليه . وان أبيت « 5 » ذلك ؛ سار إليك ، وأوقع بك ، ثم تسأليه ما عرض عليك ، فلا يجيبك إلى ذلك . فلما سمعت ذلك ؛ دخلتها الغرّة « 6 » ، وغضبت من اغلاظه لها . فلم تبيّن شيئا من أمره واروّى « 7 » في شأني .
فانصرف راجعا إلى منزله الذي أنزلته فيه .
فلما كان في اليوم الثالث ؛ عاد ، فدخل عليها ، وهي في مجلس آخر من رخام اخضر منقور « 8 » وسقفه من صندل احمر ، وهي تضئ كالبدر يكاد حسنه وضوؤه « 9 » يعشي « 10 » العيون وكان بيتا محمولا على بكرات . إلى حيث أرادت . فقال لها الإسكندر . ايتّها الملكة انّه ليكثر تعجبي من حسن ما أرى من مساكنك هذه ؟ قالت : أو ما يكون بأرض الروم مثلها ؟ قال : لا قالت : ولم ؟ قال : من اجل ان ارضك هذه أكثر معادن من ارضنا ، وأكثر
هامش
( 1 ) . تاريخ : انه قيطفور
( 2 ) . تاريخ : مرصع
( 3 ) . النهاية : تجول ، تاريخ : يحضر
( 4 ) . تاريخ : كان
( 5 ) . تاريخ : ابيتى عن
( 6 ) . أصل والنهاية : العزّة ؛ وهو الصحيح
( 7 ) . تاريخ والنهاية : أرى
( 8 ) . تاريخ : منقوش
( 9 ) . تاريخ : حسنها وضوؤها
( 10 ) . النهاية وتاريخ : يفشى