فاقتتلوا داخل قصر صالح قتالا عظيما ، قتل فيه من أصحاب طاهر جماعة كثيرة ، ومن قوّاده جماعة ، ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها أشدّ على طاهر منها .
ثمّ إنّ طاهرا كاتب القوّاد الهاشميّين وغيرهم ، بعد أن أخذ ضياعهم ، ودعاهم إلى الأمان والبيعة للمأمون ، فأجابه جماعة منهم : عبد اللَّه بن حميد ابن قحطبة وإخوته ، وولد الحسن بن قحطبة ، ويحيى بن عليّ بن ماهان ، ومحمّد بن أبي العبّاس الطائيّ ، وكاتبه غيرهم ، وصارت قلوبهم معه .
وأقبل الأمين بعد وقعة قصر صالح على الأكل والشرب ، ووكل الأمر إلى محمّد بن عيسى بن نهيك ، وإلى الهرش ، فكان من معهما من الغوغاء والفسّاق يسلبون من قدروا عليه ، وكان منهم ما لم يبلغنا مثله .
فلمّا طال ذلك بالنّاس خرج عن بغداذ من كانت به قوّة ، وكان أحدهم إذا خرج أمن على ماله ونفسه ، وكان مثلهم كما قال اللَّه :
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ
« 1 » .
وخرج عنها قوم بعلّة الحجّ ، ففي ذلك يقول شاعرهم :
أظهروا الحجّ وما ينوونه * بل من الهرش يريدون الهرب
كم أناس أصبحوا في غبطة * وكّل الهرش عليهم بالعطب
وقال بعض فتيان « 2 » بغداذ :
بكيت دما على بغداذ لمّا * فقدت غضارة العيش الأنيق
تبدّلنا هموما من سرور * ومن سعة تبدّلنا بضيق
أصابتنا من الحسّاد عين * فأفنت أهلها بالمنجنيق
هامش
( 1 ) . 13 .sv، 57inaroC( 2 ) . فساق .P . C