ذكر يوم أرماث
لما عبر الفرس العتيق جلس رستم على سريره وضرب عليه طيارة وعبّى في القلب ثمانية عشر فيلا عليها صناديق ورجال وفي المجنّبتين ثمانية وسبعة ، وأقام الجالينوس بينه وبين ميمنته ، والفيرزان بينه وبين ميسرته ، وكان يزدجرد قد وضع بينه وبين رستم رجالا على كلّ دعوة رجلا ، أوّلهم على باب إيوانه وآخرهم مع رستم ، فكلّما فعل رستم شيئا قال الّذي معه للذي يليه : كان كذا وكذا ، ثمّ يقول الثاني ذلك للذي يليه ، وهكذا إلى أن ينتهي إلى يزدجرد في أسرع وقت . وأخذ المسلمون مصافّهم . وكان بسعد دماميل وعرق النسا فلا يستطيع الجلوس ، إنّما هو مكبّ على وجهه في صدره وسادة على سطح القصر يشرف على النّاس والصفّ في أصل حائطه ، لو أعراه [ 1 ] الصفّ فواق ناقة لأخذ برمّته ، فما كرثه [ 2 ] هول تلك الأيّام شجاعة ، وذكر ذلك النّاس ، وعابه بعضهم بذلك فقال :
نقاتل حتى أنزل اللَّه نصره * وسعد بباب القادسيّة معصم
فأبنا وقد آمت نساء كثيرة * ونسوة سعد ليس فيهنّ أيّم
فبلغت أبياته سعدا فقال : اللَّهمّ إن كان هذا كاذبا وقال الّذي قاله رياء وسمعة فاقطع عني لسانه ! فإنّه لواقف في الصّفّ يومئذ أتاه سهم غرب فأصاب لسانه فما تكلّم بكلمة حتى لحق باللَّه تعالى . فقال جرير بن عبد اللَّه نحو ذلك أيضا ، وكذلك غيره ، ونزل سعد إلى النّاس فاعتذر إليهم وأراهم ما به من القروح في فخذيه وأليتيه ، فعذره النّاس وعلموا حاله ، ولما عجز عن
هامش
[ 1 ] تعزّاه .
[ 2 ] ( كرث الغمّ فلانا : اشتدّ عليه وبلغ منه المشقّة ) .