ملوك الشام - يزعمون أنهم غلمان له ، ويخطبون الخطبة ويسكّون السّكة باسمه :
رأوا طوعه حتما وفرضا ولازما * وإخلاصه في الدّين والملك واجبا
كان يملك نفسا نضرة بوابل الطّهر ، ويتّصف بعدل أنار العالم جملة كعين الشمس ، وكان يطيل النّظر والتّدقيق في أموال الخزانة ، ولا يحيد في إنفاق الخزائن إلى أي من طرفي : الإفراط والتّفريط ، لكنّه كان في مراعاة شأن الأضياف ورسل الأطراف بحرا مواجا وسحابا ثجّاجا ، وكان يبالغ في توجيه العتاب بل وإنزال العذاب لأتفه بادرة تحصل من أكبر القادة في الجيش ، وكان يستأصل شجر وجودهمكأعجاز
نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
« 1 » من جذوره بفأس البأس والزّجر والتّوبيخ ، ويجري عليهم حكم
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ
« 2 » ، فلا جرم أن أصبح التطبّع طباعا مركوزة في الذات عند نوّاب الجهات / وغدا أصحاب الدواوين يستشعرون الخوف ويصطنعون الأمانة .
روى الأمير الكبير « جلال الدين قراطاي » وكان قطب الأوتاد وقدوة الزهّاد :
« كنت ملازما للحضرة العليا ثمانية عشر عاما في السّفر والحضر ليلا ونهارا ، فلم يتناه إلى علمي أن السلطان استراح على فراش النوم - سواء في حالة الصّحو أو السّكر - إلا قليلا ، بل كان قد وضع نصب عينه أمر :
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
« 3 » وكان يعتبر ذلك سببا لرفع درجاته ، ومع أنه كان يعدّ اتبّاع مذهب الإمام أبي
هامش
( 1 ) إشارة إلى قول الله عز وجل :تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ( سورة القمر : 20 ) .
( 2 ) تضمين من الآية 21 في سورة السجدة .
( 3 ) سورة المزمّل ، الآية 2 .