تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب الماء — صفحة 1309

مساهمون:

ص١٣٠٩
للحَيوان بالاسْتنشاق . فإذا فَسد كان فساده أكثر . وكما أنّ الماء لا يَعْفُن في حال بَساطته ، بل لما يُخالطه من أجسام أرضيّة خَبيثة تمتزج به ، ويُحْدِث للجُمْلَة كيفيّةً رديئةً ، كذلك الهواءُ لا يَعْفُن في حال بَساطته ، بل لما يخالطه من أبخرة تمتزج به ، فيُحْدِث للجُمْلة كيفيّة رديئة من مواضع بَعيدة فيها أجسام مُتَعَفِّنة . وربّما كان المسبِّب قريبا من الموضع ، وربما حَدثت عفونات في باطِن الأرض فأفسدت الماءَ والهواء . والحُمَيّات الوبائيّة من الهواء الكَدر الرَّطب . ومَبْدأ التّغييرات هَيئات مِنَ الفَلَك تُوجِبه ايجابا لا نَشْعُر نحن بوجهِه . وإنَّ قوما قد ادَّعَوا فيه ما هو غير مَنْسُوْبٍ إلى شَبيهه . فوجَب أن تَعلم أنّ السَّبب الأوَّل البعيد أشكالٌ سماويّة ، والقَريب أحوالٌ أرْضِيّة . وإذا أوْجَبَت القُوَى الفعّالة السّماويّة والقُوَى المنفَعِلَة تَرطيبا شديدا للهواء برفع أبخرةٍ وأدْخِنَةٍ اليه وبثّها فيه وتعفّنها بحرارة ضعيفة ، وصار الهواء بهذه المنزلة ، ووصل إلى القلب أفْسَدَ مِزاجَ الرُّوح الذي فيه ، وعَفَّنَ ما يحويه من رطوبة ، وحَدثت حرارة خارجة عن الطّبع وانتشرتْ في البدن ، فكانت الحمَّى والوَبائيّة ، وعَمَّتْ خَلْقاً من النّاس لهم في أنفسهم خاصيَّة استعداد . وإذا كان الفاعِلُ وَحْدَه ولم يكن المنفعِل مُسْتَعِدّاً لم يَحْدُث فِعْلٌ وانْفِعالٌ . واستعدادُ الأبدان لما نحن فيه من الانفعال أنْ تكون ممتلئةً أخلاطاً رَديئةً ، فانّ النَّقيَّة لا تكاد تنفعل من ذلك . والأبدانُ الضَّعيفة أيضا ، مُنْفَعِلَةٌ منه ، مثل التي أكْثَرَت الجماعَ ، والأبدانُ الواسعةُ المسامّ ، الرَّطبة الكثيرة الاستحمام . واعْلَمْ أنّ عُروض الوباء مَشروط باستعداد البدن عن امتلاءٍ به ، وقبول موادِّه للتّعَفُّن . فإذا كان البدن نقيّاً من ذلك أو كان مِزاجه مُضادّاً للكيفيّة الحاصلة