وسأمثل لك في ذلك مثالا :
إنّ البدن بمنزلة دار الملك ، وله فيها حشم ، وصبية ، وقوّام موكلون بالدار ، فواحد لقضاء حوائج الحشم وإيرادها عليهم ، وآخر لقبض ما يرد ، وخزنه إلى أن يعالج ، ويهيأ ، وآخر لعلاج ذلك وتهيئته وتفريقه ، وآخر لتنظيف ما في الدار من الأقذار وإخراجه منها :
فالملك في هذا : هو الخلاق الحكيم ملك العالمين ، والدار : هي البدن ، والحشم : هي الأعضاء ، والقوام : هي هذه القوى الأربع . ولعلك ترى ذكرنا هذه القوى الأربع وأفعالها ، بعد الذي وصفت ، فضلا وتردادا ، وليس ما ذكرته من هذه القوى على الجهة التي ذكرت في كتب الأطباء ، ولا قولنا فيها كقولهم ، لأنهم ذكروها على ما يحتاج إليه في صناعة الطب ، وتصحيح الأبدان ، وذكرناها على ما يحتاج إليه في صلاح الدين وشفاء النفوس من الغيّ ، كالذي أوضحته بالوصف الشافي والمثل المضروب من التدبير والحكمة فيها .
في الفكر والوهم والعقل والحفظ
تأمل يا مفضل هذه القوى التي في النفس ، وموقعها من الإنسان ، أعني :
الفكر ، والوهم ، والعقل ، والحفظ ، وغير ذلك :
أفرأيت لو نقص الإنسان ، من هذه الخلال ، الحفظ وحده ، كيف كان يكون حاله ؟ وكم من خلل كان يدخل عليه في أموره ، ومعاشه ، وتجاربه ، إذا لم يحفظ ما له وعليه ، وما أخذ وما أعطى ، وما رأى وما سمع ، وما قال وما قيل له ، ولم يذكر من أحسن إليه ممن أساء به وما نفعه مما ضرّه ، ثم كان لا يهتدي لطريق لو سلكه ما لا يحصى ، ولا يحفظ علما ولو درسه عمره ، ولا يعتقد دينا ، ولا ينتفع بتجربة ، ولا يستطيع أن يعتبر شيئا على ما مضى ، بل كان حقيقا أن ينسلخ من الإنسانية أصلا .
فانظر إلى النعمة على الإنسان في هذه الخلال ، وكيف موقع الواحدة منها دون الجميع ؟ وأعظم من النعمة على الإنسان في الحفظ ، النعمة في النسيان .