الماءين جميعا ، ويحتمل الولد ، ويتسع له ، ويصونه ، حتى يستحكم ، أليس ذلك من تدبير حكيم لطيف ؟ سبحانه وتعالى عمّا يشركون .
فكر يا مفضل في أعضاء البدن أجمع ، وتدبير كل منها للإرب : فاليدان للعلاج ، والرجلان للسّعي ، والعينان للاهتداء ، والفم للاغتذاء ، والمعدة للهضم ، والكبد للتخليص « 1 » ، والمنافذ لتنفيذ الفضول ، والأوعية لحملها ، والفرج لإقامة النسل ، وكذلك جميع الأعضاء ، إذا تأملتها ، وأعملت فكرك فيها ، ونظرك ، وجدت كل شيء منها قد قدّر لشيء على صواب وحكمة .
ثم قال ( ع ) :
فكر يا مفضل ، في وصول الغذاء إلى البدن ، وما فيه من التدبير ، فإن الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه ، وتبعث بصنوه إلى الكبد ، في عروق رقاق وشاجة بينها قد جعلت كالمصفى للغذاء ، لكي لا يصل إلى الكبد منه شيء فينكأها ، وذلك أنّ الكبد رقيقة لا تحتمل العنف ، ثم إنّ الكبد تقبله ، فيستحيل بلطف التدبير دما ، وينفذ إلى البدن كله ، في مجار مهيأة لذلك ، بمنزلة المجاري التي تهيأ للماء ، حتى يطرد في الأرض كلها ، وينفذ ما يخرج منه ، من الخبث والفضول ، إلى مفائض قد أعدت لذلك ، فما كان منه من جنس المرة الصفراء ، جرى إلى المرارة ، وما كان من جنس السوداء ، جرى إلى الطحال ، وما كان من البلّة والرطوبة ، جرى إلى المثانة .
فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن ، ووضع هذه الأعضاء منه مواضعها ، وإعداد هذه الأوعية فيه ، لتحمل تلك الفضول ، لئلا تنتشر في البدن ، فتسقمه ، وتنهكه ، [ فتبارك من أحسن التقدير ، وأحكم التدبير ] « 2 » .
ثم قال ( ع ) :
يا مفضل ! أنظر إلى ما خصّ به الإنسان من خلقه تشريفا وتفضيلا على
هامش
( 1 ) التخليص : التصفية والتمييز عن غيره .
( 2 ) الزيادة من البحار ج 3 ص 68 .