إعتبر يا مفضل فيما يدبّر به الإنسان في هذه الأحوال المختلفة ، هل ترى يمكن أن يكون بالإهمال ؟ .
أفرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم ، وهو في الرحم ، ألم يكن سيذوي ويجف ، كما يجف النبات إذا فقد الماء ؟ .
ولو لم يزعجه المخاض « 1 » عند استحكامه ، ألم يكن سيبقى في الرحم ، كالموؤود في الأرض ؟ .
ولو لم يوافقه اللبن مع ولادته ، ألم يكن سيموت جوعا ، أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ، ولا يصلح عليه بدنه ؟ .
ولو لم تطلع عليه الأسنان في وقتها ، ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإساغته ، أو يقيمه على الرضاع ، فلا يشتد بدنه ولا يصلح للعمل ، ثم كانت تشتغل أمه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد ؟ .
ولو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته ، ألم يكن سيبقى في هيئة الصبيان والنساء ، فلا ترى له جلالة ولا وقارا ؟ .
فقال المفضل : فقلت : يا مولاي ! فقد رأيت من يبقى على حالته ، ولا ينبت الشعر في وجهه ، وإن بلغ حال الكبر ؟ ! .
فقال : ذلك بما قدمت أيديهم ، وأنّ اللّه ليس بظلّام للعبيد . ثم قال ( ع ) :
ولو كان المولود يولد فهما ، عاقلا ، لأنكر العالم عند ولادته ، ولبقي حيران ، تائه العقل ، إذا رأى ما لم يعرف وورد عليه ما لم ير مثله ، من اختلاف صور العالم ، من البهائم ، والطير ، إلى غير ذلك مما يشاهده ، ساعة بعد ساعة .
واعتبر ذلك بأن من سبي من بلد إلى بلد ، وهو عاقل ، يكون كالواله الحيران ، فلا يسرع في تعلم الكلام ، وقبول الأدب ، كما يسرع الذي يسبى صغيرا غير عاقل .
هامش
( 1 ) المخاض : وجع الولادة وهو الطلق .