المجادلة :
« يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ »
« 1 » ، ويؤنس بذلك أنّه قال في سورة المؤمن :
« فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا »
« 2 » ولم يقل : فلمّا رأوا بأسنا آمنوا .
وثالثاً : إنّ الحديث معلّل ؛ لأنّه إن أريد بالإكراه في قولهم : « لو أكرهت » الدعاء إلى الإيمان بالسيف ونحوه ، فلا يصحّ نفيه بقوله : « أفأنت » ، لأنّه كان يقع من النبيّ صلى الله عليه وآله . وإن أريد به إلجاء القلب وقلبه إلى الإيمان ، فلا يصحّ قوله : « ما كنت لاقي اللَّه » إلى آخره ؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله كان يعلم أنّه بيد مقلّب القلوب تعالى شأنه ، لا غير . وأيضاً لو كان المراد بالأمر في تفسير الإذن التكليف - كما هو رأي المعتزلة - لصار مضمون الآية كاللغو .
إن قلت : هل فيه - على تقدير صحّة الرواية ، وعدم كونه مصانعةً - دلالةٌ على رأي المعتزلة أنّه ليس للَّهطريق إلى إيمان الكافر إلّاالقسر والإلجاء ؟
قلت : لا ، إلّابالمفهوم ، وهو غير مراد ؛ لدلالة الأدلّة العقليّة والأحاديث المتواترة معنى على خلافه ، كما مرّ في شرح ثاني « باب الاستطاعة » .
( ذَرُوا النَّاسَ ؛ فَإِنَّ النَّاسَ أَخَذُوا عَنِ النَّاسِ ) أي عن كبرائهم ، وهم أئمّة الضلالة ، أو عن أمثالهم من المخالفين للحقّ .
( وَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله ) أي بما جاء به من محكمات القرآن الناهية عن اتّباع الظنّ ، أو بقوله في أهل بيته : « وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوضَ » وأمثاله الكثيرة المسلّمة عند الفريقين ؛ فالمأخوذ عن أهل البيت مأخوذ عنه عليه السلام .
( إِنِّي سَمِعْتُ أَبِي عليه السلام يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - إِذَا كَتَبَ عَلى عَبْدٍ أَنْ يَدْخُلَ فِي هذَا الْأَمْرِ ، كَانَ أَسْرَعَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّيْرِ إِلى وَكْرِهِ ) . كنايةٌ عن قبوله هذا الأمر آخراً أشدّ قبول .
هامش
( 1 ) . المجادلة ( 58 ) : 18 .
( 2 ) . المؤمن ( 40 ) : 84 - 85 .