كتاب ؛ أي يكتب . والمراد أنّه جاءهم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بما هو مشتمِلٌ على جميع ما في الصحف الأولى ، فكأنّها انتسخت منه .
ولا يمكن هذا المجاز في العكس ، لأنّه مشتمل على زائد عليها ؛ أو لأنّه معجز دونها ، فهو بنفسه وبإعجازه يشهد لها بدون عكس ، وفي سورة طه :
« وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى »
« 1 » ، ويجيء ما يناسب هذا في عاشر أوّل « كتاب فضل القرآن » .
( وَتَصْدِيقِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ) أي وبمصدّق الذي ، أو وصف بالمصدر مبالغةً ، والمراد به هنا محقّق الصدق له ؛ أي ما لولاه لم يكن الذي بين يديه صادقاً ، وهو الإنجيل ؛ لأنّ فيه الإخبار عن بعثة نبيّ كذا وكذا ، وكتاب كذا وكذا ، أو لأنّ فيه النهي عن اتّباع الظنّ ، والدلالة على أنّه لا يخلو زمان عن العالم بجميع أحكام الدِّين كما في سورة آل عمران :
« قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ »
« 2 » الآية ، فلو لم يجي القرآن كان الإنجيل « 3 » كاذباً ، فكلّ من رسول اللَّه وكتابه مصدّق للإنجيل ، كما أنّ كلّاً من عيسى والإنجيل مصدّق للتوراة .
قال تعالى في سورة المائدة :
« وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ »
« 4 » ، إلى قوله :
« وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ »
الآية . « 5 » ف « من » في قوله « من الكتاب » إمّا للتبيين ، واللام في « الكتاب » للعهد ، والمراد به الإنجيل ؛ وإمّا للتبعيض ، واللام للجنس . ويحتمل أن يراد ب « الذي بين يديه » : جنس الكتب المتقدّمة ، وحينئذٍ الأنسب أن يكون « من » في قوله « من الكتاب »
هامش
( 1 ) . طه ( 20 ) : 133 .
( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 64 .
( 3 ) . في « ج » : « إنجيل » .
( 4 ) . المائدة ( 5 ) : 46 .
( 5 ) . المائدة ( 5 ) : 48 .