( فَقَالَ :
« خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » *
) . الفاء للتفصيل وبيان المقيس عليهما في القياسين السابقين . والمقصود أنّه قاس نفسه على النار التي هي مادّته ، وقاس آدم على الطين الذي هو مادّته ، كما هو مذكور في سورة الأعراف وسورة ص . « 1 »
ولا يجوز أن يحمل هذا ولا ما يجيء في العشرين من الباب على الاستدلال على بطلان القياس مطلقاً ، وإلّا لتوجّه عليه الاعتراض بأنّ ذمّ إبليس على قياس خاصّ في وقت خاصّ لا بدل على قبح كلّ قياس ، ولا من كلّ أحد ، ولا في كلّ وقت إلّابالقياس ؛ لجواز أن يكون في ذلك القياس أو في إبليس أو في ذلك الوقت خصوصيّة ليست في غيره ، وليس هذا الاستدلال من قبيل إبطال الشيء بنفسه ، وراجعاً إلى دليل الخلف بأن يُقال : لو جاز قياس ما ، لجاز هذا القياس من إبليس ، وليس فليس ، وذلك لأنّ بطلان القياس من مسائل أصول الفقه ، ومجوّزوا القياس لم يجوّزوه فيه ، إنّما جوّزوه في الفروع الفقهيّة .
إن قلت : هل يمكن الاعتراض على هذا الاستدلال أيضاً بأنّ قياس إبليس كان في مقابلة النصّ ، بخلاف قياسهم ؟
قلت : لا ؛ أمّا أوّلًا ، فلأنّ وجوب سجود إبليس لم يكن منصوصاً عليه أوّلًا ؛ أي حين ترك السجود قبل المعاتبة ، بل كان داخلًا في ظاهر عمومٍ خصّصه بالظنّ بالقياس كما يخصّصون ، بل ظنّه أقرب بناءً على عدم كونه من جنس الملائكة ، هذا إذا كان أوّل ما ذمّ إبليس عليه القياس حين الخطاب بقوله تعالى في سورة ص :
« فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ »
« 2 » ؛ سواء كان قياسه قبل وقت السجدة - كما هو ظاهر قوله في سورة ص :
« اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ »
« 3 » وفي سورة الأعراف :
« لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ »
« 4 » ؛ بناءً على كونهما استئنافاً بيانيّاً لقوله :
« إِلَّا إِبْلِيسَ »
وعدم كونهما تكراراً له وكون المضيّ في « وكان من الكافرين » بالنسبة إلى الاستكبار ولم يكن باعتبار علم اللَّه
هامش
( 1 ) . الأعراف ( 7 ) : 12 ؛ ص ( 38 ) : 76 .
( 2 ) . ص ( 38 ) : 72 .
( 3 ) . ص ، ( 38 ) : 74 .
( 4 ) . الأعراف ( 7 ) : 11 .