( فَأَعْطِنِي مِنَ الْجُنْدِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، فَإِنْ عَصَيْتَ بَعْدَ ذلِكَ ) . معنى العصيان هنا أن يجعل صاحبه ممّن شرّه أقوى من خيره ، أو ممّن لا خير فيه ، وهذا مبنيّ على أنّ العقل والجهل قد يجتمعان في مكلّف من جهتين ، وهو المكلّف الذي ليس نبيّاً ولا وصيّاً ولا مؤمناً امتحن اللَّه قلبه للإيمان ، كما يجيء في أواخر الحديث ؛ يعني فالشرط عليك أنّك إن عصيت بعد ذلك الإعطاء والتقوية .
( أَخْرَجْتُكَ ) . الإخراج إمّا ناظر إلى قوله تعالى في سورة المؤمنين :
« أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ »
« 1 » ، فإنّ المرويّ أنّ اللَّه خلق لكلّ مكلّف منزلًا في الجنّة ، وينتقل منازل أهل النار في الجنّة إلى المؤمنين « 2 » ، وإمّا مبنيّ على أنّ العُصاة مرحومون في الدنيا .
( وَجُنْدَكَ ) . الواو بمعنى « مع » أي لا يدفع جندك عنك استحقاق الإخراج .
( مِنْ رَحْمَتِي ) أي من دار رحمتي ، وهي الجنّة ، أو من النعمة التي كانوا عليها في الدنيا .
( قَالَ : قَدْ رَضِيتُ ، فَأَعْطَاهُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ جُنْداً ) ؛ كلّ واحد منها ضدّ لواحد من جند العقل . وجميع ذلك من الاستعارة التمثيليّة ، والمقصود أنّه تعالى خلق بحكمته الكاملة وعلمه الشامل قوّتين داعيتين ؛ إحداهما العقل ، وهو الداعي إلى الخير ، والأخرى الجهل ، وهو الداعي إلى الشرّ وخلق صفات حميدة تقوّي العقل في دعائه إلى الخير ، وهي خمسة وسبعون ، وخلق ضدّها من رذائل تقوّي الجهل في دعائه إلى الشرّ ، وهي أيضاً خمسة وسبعون ، وكتب على نفسه الرحمة لأهل العقل ، وشرط استحقاق الإخراج من الرحمة لأهل الجهل ، وهذا الشرط بيان لبطلان زعم المعتزلة أنّ تقوية جانب المعصية في المكلّف الذي علم تعالى أنّه يفضي به بدون جبر إلى المعصية ينافي العدل واستحقاق العقاب ، لأنّه ضدّ اللطف الواجب عليه تعالى
هامش
( 1 ) . المؤمنون ( 23 ) : 10 - 11 .
( 2 ) . مجمع البيان ، ج 7 ، ص 178 ؛ بحارالأنوار ، ج 8 ، ص 91 ؛ سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 1453 ، باب صفة الجنّة ، ح 4341 ؛ تفسير السمعاني ، ج 3 ، ص 464 .