شرح
الحجّة الخامسة
البرهان الذي تفرّد به بعض الأفاضل ، وتقريره يستدعي تمهيد [ مقدّمتين ] : [ مقدّمة أولى ] : هي أنّ الأحكام والأحوال النفس الأمريّة الجارية على الاعتبارات العقليّة والأمور الانتزاعيّة لا تكون « 1 » في الحقيقة أحكاماً وأحوالًا لتلك الاعتبارات العقليّة والأمور الانتزاعيّة نفسها بل أحكاماً وأحوالًا لمبادئ انتزاعها ومصداقاتها . قال بعض المحقّقين من العارفين في شرحه للزوراء : العقل قد يخترع معاني يستعين بها في تفهّم أنحاء بسيطة خارجيّة ، وتلك المعاني تسمّى « 2 » اعتبارات منسوبةً إلى نفس الأمر ؛ لأنّك إذا وقفت منها على مفهوماتها على أنّها مشيرة إلى أنفسها كانت اعتباريّة ؛ لأنّها حينئذٍ طبائع معقولة يمتنع وجودها واتّصاف شيء بها كشريك الباري واجتماع النقيضين ، وإن تجاوزت بها إلى ذلك النحو البسيط الخارجي الذي يشير إليه العقل بذلك المعنى يُحسَب كأنّه اضمحلّ ذلك المعنى من نحو نفسه من البين ، وبقيت ناظراً إلى ذلك النحو البسيط الخارجي مستعيناً به عليه كان حقّاً مطابقاً لنفس الأمر ، وهذه الصور هي التي سمّيناها صوراً انتزاعيّة ومعقولات ثانية ، إلّاأنّا تكلّمنا عليها من نحو الخارج فجعلناها محاذية للطبائع الخارجيّة ، ولم نجعل لها طبائع مخصوصة هي طبائعها ، ولكن متى نظر إليها من نحو العقل ، وجد لها طبائع مخصوصة ، ووجد العقل يربط تلك الطبائع إلى الأشياء ربطَ العارض بالمعروض ، كقولك : الإنسان أبيض ، ولكن لا يقصد بذلك أنّ ذلك كذلك حاصل في نفس الأمر ؛ فإنّه يستحيل أن يوجد طبيعة هي الشيء مثلًا عارضة لما هو شيء كما مرّ متبيّناً ، ولكنّه يستعين بذلك على أداء حالة بسيطة خارجيّة ، كما يستعين مثلًا بمفهوم الابتداء في تفهّم معنى « من » فينبغي أن يترك الأداء ويتجاوز إلى المؤدّى . وإذا عرفت هذا يتبيّن لك أنّ الزائد العقلي لا يتّصف به شيء في نفس الأمر ، وإنّما يصف العقل الأشياء به تفهيماً ، وإشارة إلى نحو بسيط خارجي .هامش
( 1 ) . في النسخة : « لا يكون » .
( 2 ) . في النسخة : « يسمّى » .